ففي الآية قبل السابقة قال {وَيَسْخَرُونَ} الصافات 12 وهنا {يَسْتَسْخِرُونَ} الصافات 14 هذا دليل على أن من هؤلاء المكذبين أناساً ترقُّ قلوبهم لآيات الله وللأدلة الإيمانية، وحين ترقُّ قلوبهم تخفّ لديهم نزوة الكيد لمحمد، فيكتفون بالتكذيب دون السخرية لأن الإباء يأتي على درجات، فواحد يأبى أنْ يفعل ما تأمره به، وآخر يأبى أن يفعل ويسخر منك. فهؤلاء الذين يسخرون لا يكتفون بالسخرية من رسول الله، إنما {يَسْتَسْخِرُونَ} الصافات 14 يعني يطلبون ممَّنْ لا يسخر أنْ يسخر، يعني يستسخرون غيرهم، إذن هناك فَرْق بين يسخرون ويستخسرون، حتى لا نقول كما يقول بعض المستشرقين هذا تكرار في كلام الله.
{وَقَالُواْ إِن هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}
معنى {إِن هَذَآ} الصافات 15 ما هذا إلا سحر {مُّبِينٌ} الصافات 15 يعني واضح، والسحر كما قلنا تخييل شيء غير واقع، فيُخيَّل إليك أنه واقع، فالسحر لا يغير حقيقة الشيء، إنما يسحر الناظر إليه، كما قال تعالى في سحرة فرعون
{.. سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ}
الأعراف 116. وقال
{يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى}
طه 66. إذن أين السحر من دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن قضية الإيمان التي يدعو الناس إليها؟ والرد على هذه الفِرْية سهل وواضح إذا كانت عند محمد القدرة على أن يسحر الناس، فيؤمنوا بدعوته، وسحر هؤلاء الذين آمنوا فَلِمَ لم يسحركم أنت؟ إذن هذا اتهام باطل لا معنى له. ثم يعودون مرة أخرى إلى مسألة البعث، ليسألوا عنها سؤالَ إنكار واستبعاد، وهي أصل من أصول الدين لا يستقيم الإيمان إلا بها {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ...} .
{أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} * {أَوَ آبَآؤُنَا الأَوَّلُونَ} * {قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ}
عجيب منهم إنكار البعث بعد ما سُقْناه إليهم من أدلة، حتى إنْ أنكروا أدلتنا وكذَّبوا بها، ألم يسمعوا من الأمم السابقة والرسالة التي مَضَتْ أن البعث حَقٌّ؟ إذن هو العناد والاستكبار عن قبول الحق. لذلك، فالقرآن الكريم يضرب لهم مثلاً ودليلاً على صِدْق الإخبار بالبعث، ويسوق هذه القصة من الأمم السابقة في سورة البقرة