أي من طين لازب نبه به عَلَى [إنا] خلقناهم إما مجاز في الإسناد والإيقاع أو مجاز في
الحذف أي خلقنا إياهم فلا إشكال بأنه إنما يفيد ذلك لو أقروا بخلقهم من هذه المادة
فإنكارهم مكابرة صريحة لأنه مسلم ومشاهد وكل شيء هذا شأنه فلا يسمع إنكاره. قوله
وشاهدوا تولد الخ. مُبَالَغَة في الإلزام وترق في الإفحام لأنهم شاهدوا تولد بعض الحيوانات
كالحشرات فلا فرق بين حيوان وحيوان بلا توسط مواقعة بالقاف والعين المهملة أي
المجامعة فلا إشكال بأنهم خلقوا من مجامعة أب وأم. قوله فلزمهم أن يجوزوا إعادتهم وإن
لم يلتزموا ولم يعترفوا.
قوله:(وإما لعدم قدرة الفاعل ومن قدر على خلق هذه الأشياء قدر على خلق ما لا
يعتد به بالْإضَافَة إليها)وأما لعدم قدرة الْفَاعل فهو مردود أَيْضًا فإن من قدر خلق الأشياء
العظام الجسيمة قدر الخ. والإنكار أَيْضًا مكابرة.
قوله: (سيما ومن ذلك بدؤهم أولًا وقدرته ذاتية لا تتغير) ومن ذلك أي من الطين
اللازب بدؤهم أولًا والإعادة أهون من البدء وقدرته تَعَالَى ذاتية أي من ذاته تَعَالَى ومقتضى
الذات لا تتغير لأن ما بالذات لا يتغير أصلًا، وأما الاستحالة لعدم علم الْفَاعل وقد ثبت
بالبراهين النقلية والْعَقْليَّة عموم علمه تَعَالَى وشمول الكليات والجزئيات والموجودات
والمعدومات، ولم يذكره هنا لعدم ذكره صريحًا وإن فهم من بيان خلق هذه الأشياء كالقدرة
فلو تعرض له كما تصدى له في سورة البقرة لكان أتم بيانًا وتقرير الإعادة هنا مخالف
لتقريرها في البقرة حيث قال هناك إن مواد الأبدان قابلة للجمع الخ. لكن مقتضى الْكَلَام هنا
ما ذكره عَلَى أنه يمكن الجمع بَيْنَهُمَا بأدنى عناية.
قَوْلُه تَعَالَى: (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ(12)
قوله: (من قدرة الله تَعَالَى وإنكارهم البعث) الخطاب له عَلَيْهِ السَّلَامُ والإضراب عن
مقدر دل عليه الْكَلَام أي لا يفيدهم الاستفتاء عن ذلك ولا ينفعهم بيان دليل الإعادة بل
عجبت من هذا المجموع؛ إذ لا وجه للتعجب من قدرة الله تَعَالَى وإنما التعجب من إنكار
البعث مع هذه القدرة التامة وقابلية المواد، وصاحب الكَشَّاف فسره بكل منهما عَلَى الانفراد
للتنبيه عَلَى أن كل واحد منهما مما يتعجب منه فما ظنك إذا اجتمعا ففيه مُبَالَغَة لا تخفى
ولذا جعل الواو في كلام المصنف بمعنى أو لكن. وَلكُلٍّ وجْهَةٌ.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: سيما مَن ذلك بدؤهم. مَن بالفتح عَلَى لفظ الموصول وذلك إشَارَة إلَى الطين الْمَذْكُور
أي لا سيما الذي ذلك الطين بدء خلقهم أولًا وهو البشر المخلوق من الطين لا بواسطة كآدم أبي
البشر أو بواسطة كأولاده.