قال المبرد: إذا ذكرت فعلًا ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر؛ لأنه قد دل على فعله وذلك قوله: افعل وكرامة, لأنه لما قال افعل علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال، فالمعنى افعل ذلك وأكرم كرامة، وكذلك لا أفعل ذلك ولا كيدًا ولا هما أي ولا أكيد ولا أهم.
قال ابن عباس: يريد وحفظًا للسماء {مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ} يريد الذي تمرد على الله.
وقال مقاتل: وحفظًا للسماء بالكواكب.
قال الكلبي: حفظًا للسموات من كل شيطان شديد متمرد، يُرمون بها ولا تُخطيهم، وذكرنا تفسير المارد عند قوله: {مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ} [التوبة: 101] . وقوله: {كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ} [الحج: 3] .
8 -قوله: {لَا يَسَّمَّعُونَ} المعنى لئلا يسمعون، فلما حذف الناصب عاد الفعل إلى الرفع. قال الفراء: ولو كان في موضع (لا) (أن) لصلح ذلك كما قال: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: 176] . وكما قال: {رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} . ويصلح في لا على هذا المعنى الجزم، والعرب تقول: ربطت الفرس لا تفلت بالجزم، وأوثقت عبدي لا يفرق، وأنشد:
وحين رأينا أحسن الود بيننا ... مساكنةً لا يقرِفُ الشر قَارِفُ
وبعضهم يقول لا يفرق والرفع لغة أهل الحجاز وبذلك جاء القرآن). هذا كلامه، ونحو هذا قال صاحب النظم.
ويجوز أن يكون هذا ابتداء إخبار عن الشياطين بأنهم لا يسمعون، ولا يحتاج إلى إضمار شيء، وذلك أنهم إذا منعوا عن السماء بالحراسة لم يسمعوا، وهذا الوجه أبين على قراءة من قرأ بالتخفيف، ومن قرأ بالتشديد لم يظهر هذا الوجه لأنهم يتسمعون ثم يمنعون بالرمي. وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [الشعراء: 200 - 201] . واختار أبو عبيد التشديد في يسمعون قال: لأن العرب تسمعت إلى فلان.