ولما كان المراد في سورتي النساء والحج ذم الكفرة بفعل ما ليس في كونه شراً لبس ، وبوضع النفس باتباع ما لا شك في دناءته ببعده عن الخير بعد الإخفاء به ، عبر بالمريد للمبالغة ، وكما أنه حرس السماء المحسوسة بما ذكره سبحانه وتعالى فكذلك زين عز وجل قلوب الأولياء التي هي كالسماء لأراضي أجسامهم بنجوم المعارف ، فإذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا فرشقته شهب أحوالهم ومعارفهم وأقوالهم.
ولما تشوف السامع إلى معرفة هذا الحفظ وثمرته وبيان كيفيته ، استأنف قولاً: {لا يسمعون} أي الشياطين المفهومون من كل شيطان ، لا يتجدد لهم سمع أصلاً ، قال ابن الجوزي: قال الفراء: {لا} هنا كقوله"كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به"ويصلح في {لا} على هذا المعنى الجزم ، والعرب تقول: ربطت في شيء لا ينفلت - انتهى.
ويؤخذ من التسوير بكل ثم الجمع نظراً إلى المعنى ، والإفراد لضمير الخاطف وللخطفة أنهم معزولون عن السمع جمعهم ومفردهم من الجمع ، وأن الخطف يكون - إن اتفق - في الواحد لا الجمع ومن الواحد لا الجمع ، وللكلمة وما حكمها لا أكثر ، وإليه يشير حديث الصحيح"تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني"وأكد بعدهم بإثبات حرف الغاية ، فقال مضمناً {سمع} بعد قصره معنى"انتهى"أو"أصغى"ليكون المعنى: لا ينتهي سمعهم أو تسمعهم أو إصغاؤهم {إلى الملإ} أي الجمع العظيم الشريف ، وأوضحت هذا المعنى قراءة من شدد السين والميم بمعنى يتسمعون ، أي بنوع حيلة ، تسمعاً منتهياً إلى ذلك ، وهو يفهم أنهم يتسمعون ، ولكن لا ينتهي تسمعهم إلى ما ذكر ، بما أشار إليه الإدغام ، ويشير أيضاً إلى أنهم يجتهدون في إخفاء أمرهم ، وأفرد الوصف دلالة أيضاً على أن العطف يكون من واحد لا من جمع فقال: {الأعلى} أي مكاناً ومكانة بحيث يلمؤون العيون بهجة والصدور هيبة.