أُعلِّمه الْقَوافِي كُلَّ حِينٍ ... فَلمَّا قَالَ قَافيةً هَجَانِي
وما قيل:
لقَدْ رَبَّيت جَروًا طُولَ عُمرِي ... فَلمَّا صَارَ كلَبًا عَضَّ رِجْلِي
قال السمرقندي: العامل في {إذا} المفاجأة معنى المفاجأة، وهو عامل لا يظهر، استغني عن إظهاره بقوة ما فيها من الدلالة، عليه، ولا يقع بعدها إلا الجملة المركبة من المبتدأ والخبر. وهو في المعنى فاعل؛ لأن معنى {فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} : فاجأه خصومة بينة، كما أن معنى قوله: {إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ} فاجأهم قنوطهم أو مفعول؛ أي: فاجأ الخصومة، وفاجؤوا القنوط. يعني: خاصم خالقه مخاصمة ظاهرة، وقنطوا من الرحمة.
والمعنى: أي أو لا يستدل من أنكر البعث بسهولة المبدأ، على سهولة الإعادة. فإن من بدأ خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين، ثم جعله بشرًا سويًا يخاصم ربه، فيما قال إني فاعل، فيقول: من يحيي العظام وهي رميم إنكارًا منه لقدرته على إحيائها، قادر على إعادته بعد موته وحسابه وجزائه على أعماله.
والخلاصة: أنه تعالى خلق للإنسان ما خلق من النعم ليشكر، فكفر وجحد المنعم والنعم. وخلقه من نطفة قذرة، ليكون متذللا فطغى وبغى وتجبر وخاصم ربه، واستبعد البعث والإعادة.
78 -وقوله: {وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا} معطوف على الجملة الفجائية؛ أي: ففاجأ خصومتنا وضرب لنا مثلًا؛ أي: أورد في شأننا قصة عجيبة في نفس الأمر. وهي في الغرابة والبعد عن العقول كالمثل، وهي إنكار إحيائنا العظام ونفي قدرتنا عليه. قال ابن الشيخ: المثل يستعار للأمر العجيب تشبيهًا له في الغرابة بالمثل العرفي، الذي هو القول السائر، ولا شك أن نفي قدرة الله سبحانه على البعث، مع أنه من جملة الممكنات، وأنه تعالى على كل شيء قدير، من أعجب العجائب. {وَنَسِيَ خَلْقَهُ} عطف على {ضَرَبَ} ، داخل في حيز الاستفهام والتعجيب أو حال بتقدير {قد} . وهو مضاف إلى المفعول؛ أي: نسي خلقنا إياه من النطفة القذرة؛ أي: ترك التفكر في بدء خلقه ليدله ذلك على قدرته على البعث. فإنه لا فرق بينهما من حيث إن كلًا منهما إحياء مواتٍ وجماد. وقرأ زيد بن علي {ونسي خالقه} اسم فاعل، والجمهور {خَلْقَهُ} ؛ أي: نشأته، مصدرًا.