إذاً كأن السورة سميت الأحزاب، وإن أشارت إلى غزوة الأحزاب، إلا أنها تشير إلى أمور اجتمعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحزنته وحزبته وضيقت عليه فأخذ الله يهدهد عليه ويسليه ويواسيه في هذه الأحزان، فكان اسم الأحزاب على هذه السورة اسماً دالاً دلالةً بليغةً صريحة لما فيها من موضوعات وأحداث.
هذه السورة نزلت بعد الهجرة، بعد هجرة النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، فلذلك فهي سورةٌ مدنيّة كلها [6] ، وكان نزولها - كما حرر العلماء ذلك - فيما بين غزوة بدر الكبرى، فيما بعدها إلى ما قبل صلح الحديبية الذي كان قبل فتح مكة بسنة تقريباً [7] ، وحددها البعض بأنها كانت في السنة الرابعة أو الخامسة من الهجرة، لكنها استغرقت قرابة الثلاث سنوات من بدئها حتى ختامها وربما أكثر من ذلك؛ لأن أبي بن كعب رضي الله عنه حدَّث وأقسم على ذلك، إن كانت سورة الأحزاب أكبر من سورة البقرة في طولها، وكان منها:"والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيزٌ حكيم" [8] ، كانت هذه آية من سورة الأحزاب وتعرف بآية الرجم، رجم الزاني الذي تزوج وسبق له الزواج الحلال، إذا زنى بعد ذلك فيرجم حتى الموت، رجلاً كان أو امرأة من الأحرار [9] ، فرُفِع منها ما رُفع أي نسخ الله منها ما نسخ حتى بقيت هكذا بهذا الحجم المعروف في مصاحفنا، ولله أن يفعل ما يشاء، القرآن قرآنه والشرع شرعه والعبيد عبيده سبحانه وتعالى، فكانت سورة الأحزاب طويلة ولكن نسخ الله منها آيات كثيرة لحكمة أرادها فبقي هذا القدر منها هو سورة الأحزاب، فمن قرأ الآيات الموجودة في المصحف فيما بين سورة السجدة وسورة سبأ فهي سورة الأحزاب، ليست ناقصة هذا كمالها كما سكت الوحي وانتهى على ذلك.