قوله تعالى {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} قطع مشية الخلائق عن مشية الأزل ولو أراد أن يكون كلهم عارفين به يكون ولكن وقع خاصية الأنبياء والأولياء بنعت الاصطفائية من أرادته ووقع بعد الاضداد من أرادته سباق لطفه لأهل لطفه وسابق قهره لأهل قهره قال ابن عطا لو شئنا لوقفنا كل عبد لطلب مرضاتنا ولكن حق القول بالوعد والوعيد ليتم الاختيار قوله تعالى {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أن جهنم فم قهره انفتح لياخذ نصيبه ممن له استعداد مباشرة القهر كما أن الجنة فم لطفه انفتح لياخذ من له استعداد مباشرة لطفه فاللطيف يرجع إلى اللطيف والكثيف يرجع إلى الكثيف لذلك مضى القسم في الأزل في الوعيد لأن الحدث لا ينفك عن حظ القدم فالعارف الصادق إذا كان في جهنم فان جهنم له ماوى قهره وقهره ماوى لطفه ولطفه ماوى أنوار جوده وجوده ماوى أنوار وجوده فيرى مقصوده في العذاب كما كان أيوب عليه السلام ويرى رؤية المبلى في بلائه سئل الشبلى عن هذه الآية فقال يا رب املاها من الشبلى واعف عن عبيدك ليتروح الشبلى بتعذيبك كما يتروح جميع العباد بالعوافى.
{إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً} وصف الله سبحانه أهل معرفته الذين إذا سمعوا خطابه سقطوا على وجوههم في جناب كبريائه وعظمته حباً له وشوقا إليه ولا يكون هذا الوصف الوالهين من عشقه الصادقين في توحيده ومعرفته قال القاسم إذا وعظوا بها خروا سجدا عند أوقاته وذلك صفة المؤمنين ومن أبى ذلك في أوقاته لا يلحقه اسم الإيمان ولا وسمه.