فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 354900 من 466147

1 -ذكرنا فيما سبق أن لحروف العطف أسرارا لا يدركها إلا المبين ، فلا يصح وضع بعضها موضع بعض للفوارق بينها ، وكلمة"ثم"خاصة بالاستبعاد والتطاول في المدة وقد ناسب ذكرها في قوله"ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها"لأن الإعراض عن الآيات مع غاية وضوحها وإشراقها مستبعد في حكم البداءة الثابتة وموازين العقول الراجحة. وقد رمق الشعراء سماء هذه البلاغة فقال جعفر بن علبة الحارثي فيما يرويه ديوان الحماسة:

ولا يكشف الغمّاء إلا ابن حرّة يرى غمرات الموت ثم يزورها

نقاسمهم أسيافنا شر قسمة ففينا غواشيها وفيهم صدورها

فقد شبه الداهية الغماء بأمر محسوس يغشي الناس ويغطيهم على طريق الاستعارة المكنية ، وقال ابن حرة ليكون حفزا للسامع وتهييجا له على خوض الهيجاء وغمرات الموت شدائده وأهواله ، والشاهد في قوله ثم يزورها استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها لأن بين رؤية الأهوال المفزعة وبين الانحدار إليها برغبة تشبه الرغبة في لقاء المحبوب بونا بعيدا في العادة والعقل ، وشبه السيوف ممتدة متوسطة بينهم بشيء تجري فيه المقاسمة على طريق الاستعارة المكنية ثم فرع على تلك المقاسمة أن لهم غواشيها أي ما يغشاهم منها وهي مقابضها أو لأنها زائدة على النصل فهي غاشية له ولأعدائه صدورها أي أطرافها المتقدمة منها وصدر كل شيء مقدمه ، وعبر بفي دون اللام لأن"في"تفيد مجرد اشتمال الأعداء على الصدور لدخولها في أجسامهم واللام تفيد التملك وليس مرادا وإن كان مقتضى القسمة فلعله دفع توهمه بالعدول إلى"في"وذكرها أولا تمهيدا للثانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت