هذه أوصاف المؤمنين: العبادة، والتقديس مع الحمد، والطاعة والانقياد، ثم ذكر الله تعالى لهم أوصافا أخرى: هي التهجد أو قيام الليل، والدعاء الخالص لله، والإنفاق في وجوه الخير: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ، يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً، وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أي تترفع جوانبهم عن أماكن النوم والراحة، يبادرون إلى قيام الليل تهنأ نفوسهم بمناجاة ربهم، وتقرأ عينهم وترتاح ضمائرهم بالعبادة، ويدعون ربهم دعاء خالصا موقنين بالإجابة، خوفا من العقاب، وطمعا بالرحمة وجزيل الثواب، وينفقون بعض أموالهم في سبل الخير والبر ومرضاة الله، فيجمعون بين فعل القربات الشخصية والقربات الاجتماعية.
روى الإمام أحمد وأبو داود عن ابن مسعود عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «عجب ربنا من رجلين: رجل ثار من وطائه ولحافه من بين حبّه وأهله إلى صلاته، رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي ورجل غزا في سبيل الله تعالى، فانهزموا، فعلم ما عليه من الفرار، وما له في الرجوع، فرجع حتى أهريق دمه، رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي، فيقول الله عز وجل للملائكة: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي، ورهبة مما عندي حتى أهريق دمه» .
وذكر الثعلبي مرفوعا عن أسماء بنت يزيد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا جمع الله الأولين والآخرين، جاء مناد، فنادى بصوت تسمعه الخلائق كلّهم: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع، فيقومون، وهم قليل، ثم يرجع، فينادي: ليقم الذين كانوا يحمدون الله على كل حال في السرّاء والضّرّاء، فيقومون وهم قليل، فيسرّحون جميعا إلى الجنة، ثم يحاسب سائر الناس» .
ثم ذكر الله تعالى جزاء أولئك المؤمنين الموصوفين بما تقدم فقال:
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي فلا يعلم أحد على الإطلاق من الملائكة والرسل عظمة ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد، جزاء عدلا مقابلا لصالح أعمالهم التي أخفوها فلم يراءوا بها الناس، فأخفى الله ثوابهم.