يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُشْرِكُونَ فِي عِبَادَتِنَا الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَانَ، كِتَابًا بِتَصْدِيقِ مَا يَقُولُونَ، وَبِحَقِيقَةِ مَا يَفْعَلُونَ {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ}
يَقُولُ: فَذَلِكَ الْكِتَابُ يَنْطِقُ بِصِحَّةِ شِرْكِهِمْ؛ وَإِنَّمَا يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ: أَنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ بِمَا يَقُولُونَ وَيَفْعَلُونَ كِتَابًا، وَلَا أَرْسَلَ بِهِ رَسُولًا، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ افْتَعَلُوهُ وَاخْتَلَقُوهُ، اتِّبَاعًا مِنْهُمْ لِأَهْوَائِهِمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِذَا أَصَابَ النَّاسَ مِنَّا خِصْبٌ وَرَخَاءٌ، وَعَافِيَةٌ فِي الْأَبْدَانِ وَالْأَمْوَالِ، فَرِحُوا بِذَلِكَ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ مِنَّا شِدَّةٌ مِنْ جَدْبٍ وَقَحْطٍ وَبَلَاءٍ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَبْدَانِ {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}
يَقُولُ: بِمَا أَسْلَفُوا مِنْ سَيِّئِ الْأَعْمَالِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَرَكِبُوا مِنَ الْمَعَاصِي {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ}
يَقُولُ: إِذَا هُمْ يَيْأَسُونَ مِنَ الْفَرَجِ؛ وَالْقُنُوطُ: هُوَ الْإِيَاسُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ حُمَيْدٍ الْأَرْقَطِ:
[البحر الرجز]
قَدْ وَجَدُوا الْحَجَّاجَ غَيْرَ قَانِطِ
وَقَوْلُهُ: {إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} هُوَ جَوَابُ الْجَزَاءِ، لِأَنَّ «إِذَا» نَابَتْ عَنِ الْفِعْلِ بِدِلَالَتِهَا عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَجَدْتَهُمْ يَقْنَطُونَ، أَوْ تَجِدُهُمْ، أَوْ رَأَيْتَهُمْ، أَوْ تَرَاهُمْ. وَقَدْ كَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: إِذَا كَانَتْ «إِذَا» جَوَابًا لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ بِمَنْزِلَةِ الْفَاءِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) }