وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ الْقَوْلُ الثَّانِي، لِأَنَّهُ أَشْبَهَهُمَا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهَرُ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَبَّخَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ لَهُ مِنْ خَلْقِهِ آلِهَةً يَعْبُدُونَهَا، وَأَشْرَكُوهُمْ فِي عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُقِرُّونَ بِأَنَّهَا خَلْقُهُ وَهُمْ عَبِيدُهُ، وَعَيَّرَهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ مِنْ عِبِيدِكُمْ شُرَكَاءُ فِيمَا خَوَّلْنَاكُمْ مِنْ نِعَمِنَا، فَهُمْ سَوَاءٌ، أَنْتُمْ فِي ذَلِكَ تَخَافُونَ أَنْ يُقَاسِمُوكُمْ ذَلِكَ الْمَالَ الَّذِي هُوَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، كَخِيفَةِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا أَنْ يُقَاسِمَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مِنَ الْمَالِ شَرِكَةً، فَالْخِيفَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا تَعَالَى ذِكْرُهُ بِأَنْ تَكُونَ خِيفَةً مِمَّا يَخَافُ الشَّرِيكُ مِنْ مُقَاسَمَةِ شَرِيكِهِ الْمَالَ الَّذِي بَيْنَهُمَا إِيَّاهُ أَشْبَهَ مِنْ أَنْ تَكُونَ خِيفَةً مِنْهُ بِأَنْ يَرِثَهُ، لِأَنَّ ذِكْرَ الشَّرِكَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى خِيفَةِ الْوِرَاثَةِ، وَقَدْ يَدُلُّ عَلَى خِيفَةِ الْفِرَاقِ وَالْمُقَاسَمَةِ.
وَقَوْلُهُ: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَمَا بَيَّنَّا لَكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ حُجَجَنَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَى قُدْرَتِنَا عَلَى مَا نَشَاءُ مِنْ إِنْشَاءِ مَا نَشَاءُ، وَإِفْنَاءِ مَا نُحِبُّ، وَإِعَادَةِ مَا نُرِيدُ إِعَادَتَهُ بَعْدَ فَنَائِهِ، وَدَلَلْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لِلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، كَذَلِكَ نُبَيِّنُ حُجَجَنَا فِي كُلِّ حَقٍّ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، فَيَتَدَبَّرُونَهَا إِذَا سَمِعُوهَا، وَيَعْتَبِرُونَ فَيَتَّعِظُونَ بِهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29) }