وَتَوْجِيهُ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ إِلَى الْأَغْلَبِ أَوْلَى مِنْ تَوْجِيهِهِ إِلَى الْأَنْكَرِ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: تَتَقَلَّبُ فِي أَبْصَارِ السَّاجِدِينَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ، فَلَيْسَ ذَلِكَ الظَّاهِرُ مِنْ مَعَانِيهِ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ إِلَى صَلَاتِكَ، وَيَرَى تَقَلُّبَكَ فِي الْمُؤْتَمِّينَ بِكَ فِيهَا بَيْنَ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَجُلُوسٍ.
وَقَوْلُهُ: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ رَبِّكَ هُوَ السَّمِيعُ تِلَاوَتَكَ يَا مُحَمَّدُ، وَذِكْرَكَ فِي صَلَاتِكَ مَا تَتْلُو وَتَذْكُرُ، الْعَلِيمُ بِمَا تَعْمَلُ فِيهَا وَيَعْمَلُ فِيهَا مَنْ يَتَقَلَّبُ فِيهَا مَعَكَ مُؤْتَمًّا بِكَ، يَقُولُ: فَرَتِّلْ فِيهَا الْقُرْآنَ، وَأَقِمْ حُدُودَهَا، فَإِنَّكَ بِمَرْأَى مِنْ رَبِّكِ وَمَسْمَعٍ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} أَيُّهَا النَّاسُ {عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ} مِنَ النَّاسِ؟ {تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ}
يَعْنِي كَذَّابٍ بَهَّاتٍ
{أَثِيمٍ} يَعْنِي: آثَمٍ.
عَنْ قَتَادَةَ:" {كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} قَالَ: هُمُ الْكَهَنَةُ , تَسْتَرِقُ الْجِنُّ السَّمْعَ، ثُمَّ يَأْتُونَ بِهِ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْإِنْسِ"
عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الْمُخْتَارَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقَالَ:"صَدَقَ، ثُمَّ تَلَا: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ , تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} "
وَقَوْلُهُ: {يُلْقُونَ السَّمْعَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُلْقِي الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ، وَهُوَ مَا يَسْمَعُونَ مِمَّا اسْتَرْقُوا سَمْعَهُ مِنْ حِينَ حَدَثَ مِنَ السَّمَاءِ، إِلَى {كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} مِنْ أَوْلِيَائِهِمْ مِنْ بَنِي آدَمَ.
وَقَوْلُهُ: {وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ}
يَقُولُ: وَأَكْثَرُ مَنْ تَنْزِلِ عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ كَاذِبُونَ فِيمَا يَقُولُونَ وَيُخْبِرُونَ.