(وقد نبَّه صلى الله عليه وسلم على أن أفضلَها التوحيد المتعين على كل أحد، والذي لا يصح شيء من الشُّعَب إلا بعد صحته، وأدناها ما يتوقع ضرره بالمسلمين من إماطة الأذى عن طريقهم، وبقي بين هذين الطرفين أعدادٌ لو تكلف المجتهد تحصيلَها بغلبة الظن وشدة التتبع لأمكنه) [4] .
مراعاة التدرج في تغيير المنكر، حسب درجة المنكر، وفاعل المنكر، واستطاعة إزالة المنكر، وتوصيف المرحلة من حيث الاستخلاف أو الاستضعاف، فقد روى الإمام مسلم عن ابن سعيد رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( مَن رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) ) [5] .
وكما كان نزول القرآن منجمًا ومفرَّقًا، فإن كيفية نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بصورةٍ متدرجة وعلى مراحل، فالمرحلة الأولى هي الرؤيا الصادقة، ثم الخَلوة في غار حراء، ثم مجيء المَلَك، ثم فترة الوحي؛ (أي احتباسه وعدم تتابعه وتواليه في النزول) ، ثم تتابُع الوحي، ثم الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى مسلم في صحيحه عن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها أخبرته أنها قالت: كان أول ما بُدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي الطوال، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود، حتى فَجِئَه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه المَلَك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قال: قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطَّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقال:"اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" [العلق: 1] [6] .
قال النووي - رحمه الله: