أما الكتب السابقة فقد طلبتْ من المؤمنين بها أنْ يحفظوها ، وفَرْق بين الحفظ مني ، وطلب الحفظ منكم ؛ لأن الطلب تكليف وهو عُرْضة لأنْ يُطاع ولأنْ يُعصَى ، وقد جربنا حفظ البشر فلم يحافظوا على كتبهم السابقة ؛ لذلك تولّى الحق سبحانه وتعالى حِفْظ قرآنه بنفسه ، ولم يكِلْه إلى أحد من خَلْقه .
لذلك تجد في هذا المجال كثيراً من العجائب والمفارقات ، فمع تقدُّم الزمن وطغيان الحضارات المعادية للإسلام ، والتي تُمطرنا كل يوم بوابل من الانحرافات والخروج عن تعاليم الدين ، ومِنّا مَنْ ينساق خلفهم ، وهذا كله ينقص من الأحكام المطبّقة من الإسلام .
لكن مع هذا كله تجد القرآن يزداد توثيقاً ، ويزداد حفظاً ، ويتبارى حتى غير المسلمين في حِفْظ كتاب الله وتوثيقه ، والتجديد في طباعته ، حتى رأينا مصحفاً في ورقة واحدة ، ومصحفاً في حجم عقلة الإصبع ، ويفخر بعضهم الآن بأنه يملك أصغر مصحف في العالم . . إلخ بصرف النظر عن دوافعهم مِنْ وراء هذا .
المهم أن الله تعالى يُسخِّر حتى أعداء القرآن لحِفْظ القرآن {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذكرى لِلْبَشَرِ} [المدثر: 31] .
أليس من وسائل نَشْر القرآن والمحافظة عليه آلات التسجيل وآلات تكبير الصوت التي تنشر كلام الله في كل مكان؟ ولم يَلْق شيءٌ من الكتب السابقة مثل هذه العناية .
إذن: فالعناية بالقرآن كنصٍّ لا تتناسب مع النقص في أحكامه وانصراف أهله عنها ، وكأن الله عز وجل يقول لنا: سأحفظ هذا النصِّ بغير المؤمنين به ، وسأجعلهم يُوثِّقونه ويهتمون به ؛ ليكون ذلك حجة عليكم .
لذلك كان عند الألمان قبل الحرب العالمية خزانة بها أدراج ، في كل درج منها أية من القرآن ، يُحفظ به كل ما كُتب عن هذه الآية بدايةً من تفسير ابن عباس إلى وقتها ، وهذا دليل على أنهم مُسخَّرون بقوة خفية لا يقدر عليها إلا الله عز وجل