وبينما كان - صلى الله عليه وسلم - ماشيًا طرق سمعه صوت من السماء فرفع بصره إليه، فشاهد جبريل جالسًا على كرسي بين السماء والأرض، ففزع منه ورجع إلى بيته يتزمل ثانيةً، لكن الوحي لم يدعه يركن إلى التزمل والتدثر، فها هو ذا يستنهضه مرّة إثر أخرى {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) } , {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) } ، هذا وغيره من صور الوحي، أفاد أن الرسول لم يستشرف الوحي ولم يتأهب له، بل لقد طرق الوحي حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - طروقًا مباغتًا لم يكن في حسبانه، حتى كان يفاجئه ليلًا ونهارًا في سفر أو حضر راكبًا أو جالسًا.
2 -الوحي حدث إلزامي: ونستبين ذلك من ناحيتين:
أولاهما: الأعراض الجسدية:
ولقد ينزل عليه الوحي فتعتريه أعراض إلزامية، كاحمرار الوجه، وتتابع الأنفاس، مع تحول الوعي عما حوله إلى ملك الوحي، وينجلي عنه الوحي في اليوم القارس البرد، وإن كان العرق ليتقاطر غزيرًا من جبينه، وإن جسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليثقل من شدة الوحي، حتى تكاد فخذه ترض فخذ زيد دونها، وحتى تثقل ناقته فتبرك على الأرض، وتزخر أذناه بأصوات حادة كصلصلة الجرس، يجد الصحابة لها دويًا كدوى النحل.
وواضح لكل ذي لب أن هذه الأعراض إلزامية مفاجئة، فليس في طوق أحد من البشر افتعالها، وأن مسببها - بلا مراء - ذات أخرى تغاير الذات المحمدية، ويزيد القضية جلاءً، أن هذه الأعراض غير الإرادية ما كانت تعتري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قط إلا في الفترة
الوجيزة التي يتلقى فيها القرآن، فاقتران هذه الأعراض العضوية بهذا الحدث الوحي برهان جلي على براءة ظاهرة (الوحي) من شوائب الذات الإنسانية الصحيحة أو العليلة.
ثانيهما: الأحوال النفسية: