الله التي نصبها على صدق الرسالة إلا الذين صار الكفر صفة من صفاتهم الراسخة
وقفَّى هذا ببينات آية النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنها كتاب العلم والهدى
من الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب، وكون الكتاب بيِّن الصدق قاطع البرهان ناصع
البيان بالنسبة لمن أوتي العلم، ورزق الفهم فصار يميز بين الحق والباطل، ويزيل
بين النافع والضار، وإذا كان كذلك فلا ريب أنه لا يجحد به إلا المتوغلون في ظلم
النفس، العريقون في مكابرة العقل والحس، ثم ذكر طلب هؤلاء الكافرين بالنعم،
الخافرين للذمم، آية كونية آفاقية كالآيات التي خوفت بها الأمم من قبلهم حتى
انقادت واستسلمت، أو أُخذت وأُهلكت، وأمر نبيه بأن يجيب هؤلاء الأغبياء بأن
الآيات عند الله لا في أيدي الأنبياء، وأن حكمته تعالى في تربية الإنسان، اقتضت
بأن يكون هذا الطور طور البيان، وأنه صلى الله عليه وسلم ليس إلا نذيرًا مبينًا،
وهاديًا أمينًا، ثم نبههم تعالى على أن آيته - وهو النبي الأمي - كتاب يشتمل على
الرحمة التي تصلح بها قلوب العالمين، والذكرى التي تُزع النفوس عن الشر
وتحملها على الخير، بحيث يظهر أثرها الحسن في المؤمنين، ويحق الشقاء على
الجاحدين المعاندين، ثم أمره الله تعالى أن يكتفي بشهادة الله في كتابه بينه وبينهم،
حيث أقام الحجج البالغة على حقية ما جاء به وبطلان ما هم فيه، وبيَّن وهو عالم
الغيب والشهادة أن العاقبة الصالحة للذين يتقون وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ
أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ (العنكبوت: 52) وكذلك كان، والحمد لله على نعمة
القرآن، وسيأتي تفصيل كون الإسلام برهان على نفسه وصدق من جاء به في
الكلام على رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
م (67) تعزيز الكلام بقول أحد الأئمة الأعلام:
لما ترك المسلمون أخذ الدين بالبرهان، كما يرشدهم إليه القرآن، وتركوا
النظر واطمأنوا لتقليد مَن غبر، صاروا يرتابون بكلام الأحياء، إذا لم يسند لبعض
الأموات من العلماء، وما ذكرناه من التفرقة بين الآية الكونية، والآية النفسية
العلمية، لا يوجد مثله في كتب العقائد المتداولة التي لم تنشر إلا والعلم قد طُوي