وتهافت العوام في الشبهة أحب إلي من إغراقهم في التنزيه. لأن التشبيه يغمسهم في الإثبات. فيطمعوا ويخافوا شيئاً قد أنسوا إلى ما يخاف مثله ويرجى.
فالتنزيه يرمي بهم إلى النفي ولا طمع ولا مخالفة من النفي.
ومن تدبر الشريعة رآها عامة للمكلفين في التشبيه بالألفاظ التي لا يعطي ظاهرها سواه كقول الأعرابي: أو يضحك ربنا؟ قال: نعم فلم يكفهر من هذا القول.
(فصل سبب النهي عن الاشتغال بالكلام)
ما نهى السلف عن الخوض في الكلام إلا لأمر عظيم، وهو أن الإنسان يريد أن ينظر ما لا يقوى عليه بصره فربما تحير فخرج إلى الحجب.
لأنا إذا نظرنا في ذات الخالق حار العقل وبهت الحس، فهو لا يعرف شيئاً لا بداية له إنه لا يعلم إلا الجسم والجوهر والعرض، فإثبات ما يخرج عن ذاك لا يفهمه.
وإن نظرنا في أفعاله رأيناه يحكم البناء ثم ينقضه ولا نطلع على تلك الحكمة.
فالأولى للعاقل أن يكف كف التطلع إلى ما لا يطيق النظر إليه.
ومتى قام العقل فنظر في دليل وجود الخالق بمصنوعاته، وأجاز بعثة نبي واستدل بمعجزاته، كفاه ذلك أن يتعرض لما قد أغنى عنه.
وإذا قال القرآن كلام الله تعالى بدليل قوله: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ} كفاه.
وأما من تحذلق فقال: التلاوة هي المتلو أو غير المتلو، والقراءة هي المقروء أو غير المقروء، فيضيع الزمان في غير تحصيل، والمقصود العمل بما فهم.
وقد حكي أن ملكاً كتب إلى عماله في البلدان إني قادم عليكم فاعملوا كذا وكذا، ففعلوا إلا واحداً منهم.
فإنه قعد يتفكر في الكتاب فيقول: أترى كتبه بمداد أو بحبر؟ أترى كتبه قائماً أو قاعداً؟.
فما زال يتفكر حتى قدم الملك ولم يعمل مما أمره به شيئاً.
فأحسن جوائز الكل وقتل هذا.