{رب} أي: أيها المحسن إليّ {هَبْ لِي حُكْماً} أي: عملاً متقناً بالعلم، وقال ابن عباس: معرفة حدود الله وأحكامه، وقال الكلبيّ: النبوّة لأنّ النبيّ ذو حكمة وذو حكم بين عباد الله، ثم بين أنَّ الاعتماد إنما هو على محض الكرم فإن من نوقش الحساب عذب بقوله {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} أي: الذين جعلتهم أئمة للمتقين في الدنيا والآخرة وهم الأنبياء والمرسلون، وقد أجابه الله تعالى حيث قال {وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} (البقرة: 130)
وفي ذلك تنبيه على أن تقديم الثناء على الدعاء من المهمات.
«فَإِنْ قِيلَ» : لم لم يقتصر إبراهيم عليه السلام على الثناء ولا سيما يروى عنه أنه قال حسبي من سؤالي علمه بحالي؟
أجيب: بأنه عليه السلام إنما ذكر ذلك حين اشتغاله بدعوة الخلق إلى الحق لأنه قال فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين ثم ذكر الثناء ثم ذكر الدعاء لما أنَّ الشارع لا بد له من تعليم الشرع فأمّا حين خلا بنفسه ولم يكن غرضه تعليم الشرع اقتصر على قوله حسبي من سؤالي علمه بحالي.
(تنبيه)
الإلحاق بالصالحين أن يوفقه لعمل ينتظم به في جملتهم، أو يجمع بينه وبينهم في المنزلة والدرجة في الجنة.
{وَاغْفِرْ لأَبِي}
كأنه دعاء له بالإيمان.
وقيل: إنّ أباه وعده بالإسلام لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَة ٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ} (التوبة: 114)
فدعا له قبل أن يتبين له أنه عدوّ لله كما سبق في سورة التوبة.
وقيل: إنّ أباه قال له أنه على دينه باطناً وعلى دين نمروذ ظاهراً وتقيةً وخوفاً فدعا له لاعتقاده أنَّ الأمر كذلك فلما تبين له خلاف ذلك تبرأ منه، ولذلك قال في دعائه {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّآلِّينَ} فلولا اعتقاده فيه أنه في الحال ليس بضالّ لما قال ذلك.
وقيل: إن الاستغفار للكفار لم يكن ممنوعاً إذ ذاك.
{وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمِ يُبْعَثُونَ}