أي: أوجدني على هيئة التقدير والتصوير {فَهُوَ} أي: فتسبب عن تفرده بخلقي أنه هو لا غيره {يَهْدِيَنِ} أي: إلى الرشاد ولا يعلم باطن المخلوق ويقدر على التصرف فيه غير خالقه ولا يكون خالقه إلا سميعاً بصيراً ضاراً نافعاً له الكمال كله، وذكر الخلق بالماضي لأنه لا يتجدد في الدنيا، والهداية بالمضارعة لتجددها وتكرّرها، لأنه تعالى لما أتم خلقه ونفخ فيه الروح عقب ذلك هدايته المتصلة التي لا تنقطع إلى كل ما يصلحه ويعينه وإلا فمن هداه إلى أن يتغذى بالدم في البطن امتصاصاً؟
ومن هداه إلى معرفة الثدي عند الولادة وإلى معرفة مكانه؟
ومن هداه لكيفية الارتضاع إلى غير ذلك ديناً ودنياً.
{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}
«فَإِنْ قِيلَ» : لم أضاف المرض إلى نفسه مع أنَّ المرض والشفاء من الله تعالى؟
أجيب: بأنه قال ذلك استعمالاً لحسن الأدب كما قال الخضر عليه السلام {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} (الكهف: 79)
وقال {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا} (الكهف: 82) .
وأجاب الرازي بأنَّ أكثر أسباب المرض محدث بتفريط الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك، ومن ثم قال الحكماء لو قيل لأكثر الموتى ما سبب آجالكم لقالوا التخم، وبأنَّ الشفاء محبوب وهو من أصول النعم والمرض مكروه وليس من النعم، وكان مقصود إبراهيم عليه السلام تعديد النعم ولما لم يكن المرض من النعم لا جرم لم يضفه إلى الله تعالى ولا ينتقض ذلك بإسناد الإماتة إليه كما سيأتي، فإنّ الموت ليس بضرّ لأنّ شرط كونه ضرّاً وقوع الإحساس به وحال الموت لا يحصل الإحساس به إنما الضرر في مقدماته وذلك هو عين المرض، ولأنّ الأرواح إذا كملت في العلوم والأخلاق كان بقاؤها في هذه الأجساد عين الضرر وخلاصها عنها عين السعادة بخلاف المرض.