(هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ(221) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (223)
فَإِنْ قُلْتَ يُلْقُونَ مَا مَحَلُّهُ؟
قُلْتُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الْحَالِ أَيْ تَنَزَّلُ مُلْقِينَ السمع، وفي محل الجر صفة لكل أَفَّاكٍ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَحَلٌّ بِأَنْ يَسْتَأْنِفَ كَأَنَّ قَائِلًا قال: لم تنزل عَلَى الْأَفَّاكِينَ؟
فَقِيلَ يَفْعَلُونَ كَيْتَ وَكَيْتَ.
فَإِنْ قلت كيف قال: (وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ) بعد ما قَضَى عَلَيْهِمْ أَنَّ كَلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَفَّاكٌ؟
قُلْتُ: الْأَفَّاكُونَ هُمُ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ الْكَذِبَ، لَا أَنَّهُمُ الَّذِينَ لَا يَنْطِقُونَ إِلَّا بِالْكَذِبِ، فَأَرَادَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَفَّاكِينَ قَلَّ مَنْ يَصْدُقُ مِنْهُمْ فِيمَا يَحْكِي عَنِ الْجِنِّ وَأَكْثَرُهُمْ يَفْتَرِي عَلَيْهِمْ.
(وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ(224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ... (227)
ثُمَّ إِنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا وَصَفَ الشُّعَرَاءَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ الذَّمِيمَةِ بَيَانًا لِهَذَا الْفَرْقِ اسْتَثْنَى عَنْهُمُ الْمَوْصُوفِينَ بِأُمُورٍ أَرْبَعَةٍ: أَحَدُهَا: الْإِيمَانُ وَهُوَ قَوْلُهُ: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) .
وَثَانِيهَا: الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ)
وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ شِعْرُهُمْ فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَدَعْوَةِ الْخَلْقِ إِلَى الْحَقِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا)
وَرَابِعُهَا: أَنْ لَا يَذْكُرُوا هَجْوَ أَحَدٍ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الِانْتِصَارِ مِمَّنْ يَهْجُوهُمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا) قَالَ اللَّه تَعَالَى: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) [النِّسَاءِ: 148]
ثُمَّ إِنَّ الشَّرْطَ فِيهِ تَرْكُ الِاعْتِدَاءِ لِقوله تَعَالَى: (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) [الْبَقَرَةِ: 194]