وخامسها: أن المقدمة الواحدة لا تنتج بل المنتج مجموع المقدمتين ، لكن حضور المقدمتين دفعة واحدة فِي الذهن محال لأنا جربنا أنفسنا فوجدنا أنا متى وجهنا الخاطر نحو معلوم استحال فِي ذلك الوقت توجيهه نحو معلوم آخر ، وربما سلم بعضهم أن النظر فِي الجملة يفيد العلم لكنه يقول النظر فِي الإلاهيات لا يفيد واحتج عليه بوجهين: الأول: أن حقيقة الإله غير متصورة وإذا لم تكن الحقيقة متصورة استحال التصديق لا بثبوته ولا بثبوت صفة من صفاته.
بيان الأول أن المعلوم عند البشر كون واجب الوجود منزهاً عن الحيز والجهة ، وكونه موصوفاً بالعلم والقدرة.
أما الوجوب والتنزيه فهو قيد سلبي وليست حقيقته نفس هذا السلب.
فلم يكن العلم بهذا السلب علماً بحقيقته ، وأما الموصوفية بالعلم والقدرة فهو عبارة عن انتساب ذاته إلى هذه الصفات وليست ذاته نفس هذا الانتساب فالعلم بهذا الانتساب ليس علماً بذاته.
بيان الثاني أن التصديق موقوف على التصور ، فإذا فقد التصور امتنع التصديق ، ولا يقال ذاته تعالى وإن لم تكن متصورة بحسب الحقيقة المخصوصة التي له لكنها متصورة بحسب لوازمها ، أعني أنا نعلم أنه شيء ما ، يلزمه الوجوب والتنزيه والدوام فيحكم على هذا المتصور ، قلنا هذه الأمور المعلومة إما أن يقال إنها نفس الذات وهو محال أو أمور خارجة عن الذات فلما لم نعلم الذات لا يمكننا أن نعلم كونها موصوفة بهذه الصفات فإن كان التصور الذي هو شرط إسناد هذه الصفات إلى ذاته هو أيضاً تصور بحسب صفات آخر ، فحينئذٍ يكون الكلام فيه كما فِي الأول فيلزم التسلسل وهو محال.