46] وكل ذلك يدل على وجوب النظر والاستدلال والتفكر وذم التقليد فمن دعا إلى النظر والاستدلال ، كان على وفق القرآن ودين الأنبياء ومن دعا إلى التقليد كان على خلاف القرآن وعلى وفاق دين الكفار.
وأما الأخبار ففيها كثرة ، ولنذكر منها وجوهاً: أحدها: ما روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال:"جاء رجل من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال إن أمرأتي وضعت غلاماً أسود فقال له هل لك من إبل ، فقال: نعم قال: فما ألوانها قال حمر قال: فهل فيها من أورق ؟ قال: نعم."
قال: فأنى ذلك ، قال: عسى أن يكون قد نزعه عرق قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق"واعلم أن هذا هو التمسك بالإلزام والقياس."
وثانيها: عن أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام:"قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني ، وشتمني ابن آدم ولم يكن له أن يشتمني."
أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني ، وليس أول خلقه بأهون على من إعادته ، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً وأنا الله الأَحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحد""
فانظر كيف احتج الله تعالى فِي المقام الأول بالقدرة على الابتداء ، على القدرة على الإعادة ، وفي المقام الثاني احتج بالأحدية على نفي الجسمية والوالدية والمولودية.
وثالثها: روى عبادة بن الصامت أنه عليه السلام قال:"من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"فقالت عائشة: يا رسول الله إنا نكره الموت فذاك كراهتنا لقاء الله ؟ فقال عليه السلام:"لا ولكن المؤمن أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه ، والكافر كره لقاء الله فكره الله لقاءه"وكل ذلك يدل على أن النظر والفكر فِي الدلائل مأمور به.
واعلم أن للخصم مقامات.
أحدها: أن النظر لا يفيد العلم.
وثانيها: أن النظر المفيد للعلم غير مقدور.
وثالثها: أنه لا يجوز الإقدام عليه.