إذن: الحق سبحانه في قوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [المؤمنون: 80] ينبهنا إلى ضرورة إعمال العقول في المسائل الكونية ؛ لأنها ستوفر علينا الكثير في الطريق إلى الله عز وجل ، ولماذا يُعمِل الإنسان عقله ويتفنّن مثلاً في ارتكاب الجرائم فَيُرتب لها ويُخطط؟ لكن الله تعالى يكون له بالمرصاد فيُوقِعه في مَزْلَق ، فيترك وراءه منفذاً لإثبات جريمته ، وثغرة تُوصِّل إليه ؛ لذلك يقول رجال القضاء: ليست هناك جريمة كاملة ، وهذه مهمة القاضي أو المحقق الذي يحاور المجرم ليصل إلى هذه الثغرة .
وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يقول: لقد استخدمتَ عقلك فيما لا ينبغي ، وسخَّرْته لشهوات نفسك ، فلا بُدَّ أن أوقعك في مزلق ينكشف فيه أمرك ، فإنْ سترتها عليك مرة فإياك أنْ تتمادى ، أو تظنّ أنك أفلتَّ بعقلك وترتيبك وإلاَّ أخذتُك ولو بجريمة لم تفعلها ؛ لأنك لا تستطيع أن تُرتِّب بعقلك على الله ، وعدالته سبحانه فوق كل ترتيب .
كما لو فُضِح إنسان بأمر هو منه بريء ، ولحقه الأذى والضرر بسبب هذه الإدانة الكاذبة ، فتأتي عدالة السماء فيستر الله عليه فضيحة فعلها جزاءً لما قد أصابه في الأولى ، وهذه مسألة لا يفعلها إلا رب .
والحق - سبحانه وتعالى - حينما يُنبِّه العقل ويثيره: تفكّر ، تدبّر ، تعقّل ، ليدرك الأشياء الكونية من حوله ، فهذا دليل على أنه سبحانه واثق من صَنْعته وإبداعه لكونه ؛ لذلك يثير العقول للبحث وللتأمل في هذه الصنعة .
وهذه المسألة نلاحظها فيمَنْ يعرض صَنْعته من البشر ، فالذي يتقن صَنْعته يعرضها ويدعوك إلى اختبارها والتأكد من جودتها على خلاف الصنعة الرديئة التي يلّفها لك صانعها ، ويصرفك عن تأملها حتى لا تكتشف عيبها .
فحين ينبهك ربك إلى التأمل في صَنْعته فعليك أنْ تدرك المغزى من هذه الإثارة لتصل إلى مراده تعالى لك .
ثم يقول الحق سبحانه: {بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الأولون} .