أي: لم يتعظوا بكل هذه الآيات ، بل قالوا مثلما قال الألون: {قالوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً . .} .
وسواء أكان هذا قولهم أو قول سابقيهم من الأولين ، فقد كان الشك عند الذين عاصروا الدعوة المحمدية في مسألة البعث من الموت ، وكل كلامهم يؤدي إلى ذلك ، فهم تعجبوا من حدوث هذا الأمر .
ولذلك قال قائلهم: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 78 - 97] .
لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83)
أتظنون أن الله تعالى إذا وعدكم بالموت ثم بالبعث أن هذا سيكون في الدنيا؟ لذلك تقولون: وُعِدْنا بهذا من قبل ولم يحدث ، وقد مات مِنّا كثيرون ولم يعودوا ولم يُبعَثُوا ، فَمَنْ قال لكم إنكم ستموتون اليوم وتُبعثون غداً؟
البعث لا يكون إلا بعد أن يموت جميع الخَلْق ، ثم يُبعثوا كلهم مرة واحدة .
إذن: هذا الكلام منهم مجرد سفسطة وجدل لا معنى له .
وكلمة {وُعِدْنَا . .} [المؤمنون: 83] يعني بالبعث ، والوعد عادة يكون بالخير ، كما أن الوعيد يكون بالشر ، كما جاء في قول الشاعر:
وإنِّي إذَا أَوْعدتُه أَوْ وَعدتُه ... لَمخِلفُ إيعَادِي ومُنجِزُ موْعِدي
يعني: هو رجل كريم يترك الشر الذي توعّد به ، ويفعل الخير الذي وعد به ، وإن قال العلماء: قد يستعمل هذا مكان هذا .
لكن ، هل الوعد للكفار بالبعث وما يتبعه من عذاب وعقاب يُعَدُّ وَعْداً؟ قالوا: نعم يعد هذا الشر وهذا العذاب الذي ينتظر وَعْداً بالخير لأنه يُنبههم ويَلفتهم إلى خطورته حتى لا يقعوا فيه إذن: هو خير لهم الآن حيث يُحذِّرهم كما تحذر ولدك من الرسوب إنْ أهمل في دروسه .