الشاهد: أن هذه الآيات كلها تحتاج إلى وسائل لإدراكها ، تحتاج إلى سمع وبصر لنراها ونسمعها ، ثم تحتاج إلى عقل لنفكر فيها ونتأملها ؛ لذلك يقول سبحانه: {وَهُوَ الذي أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة . .} [المؤمنون: 78] .
السمع والبصر من الحواس التي سماها العلماء احتياطاً الحواس الخمس الظاهرة أي: أن هناك حواسَّ أخرى لم يكتشفوها ، وفعلاً اكتشفها العلم بعد ذلك كحاسة العضل التي تميز بها الثقل ، وحاسة البين التي تميز بها الغليظ من الرقيق في الثياب مثلاً ، فهذه الأشياء لا تستطيع التعرّف عليها بالحواسِّ الخمس المعروفة .
وعُمْدة الحواس: السمع والبصر ؛ لأنه إذا جاءني رسول يُبلِّغني عن الله لا بُدَّ أن أسمع منه ، فإنْ كنتَ مؤمناً بإله فقد اكتفيتَ بحاسة السمع ، وإنْ كنتَ غير مؤمن تحتاج إلى بصر لتبصر به آياته الدالة على وجوده وقدرته ، وتستدل بالصَّنْعة على الصانع ، وبالخِلْقة على الخالق ، وتقف على ما في كوْن الله من الدقة والإحكام والهندسة والإبداع .
وهذه مهمة العقل بعد أن تحولت المسموعات والمرئيات إلى قضايا ومبادئ عقلية تحكم حياتك ، كما لو رأيتَ النار بعينك ثم لمستها بيدك فأحرقتك فتكوَّنت لديك قضية عقلية مُؤدّاها أن النار لها خاصية الإحراق فلا تلمسها بعد ذلك ، وهذه تراها حتى في الطفل الصغير حينما يعجبه قرن الشطة مثلاً فيقضمه فيشعر بحرارته وألمه .
فإن رآه بعد ذلك يقول (أوف) ، فهذه اللفظة بالنسبة للطفل قضية عقلية تكوَّنَتْ لديه نتيجة تجربة استقرتْ في فؤاده ، وأخذها مبدأً يسير عليه في كل حياته ، وهكذا من المحسّات ومن تجارب الحياة تتكوَّن لديك قضايا عقلية تستفيد بها فيما بعد .
إذن: من وسائل الإدراك تتكوَّن المبادئ والقضايا التي يأخذها العقل ، ويفاضل بينها حتى ينتهي إلى قضية ومبدأ يستقر في القلب ونُسمِّيها عقيدة يعني: شيء معقود عليه لا ينحلّ .