والتوبة عند البلوغ، ومثال أخذهم بالبأساء والضراء ليتضرعوا، وقد وقع عليهم
استحقاق العقاب، وأورثهم ذلك التثاقل عن الإجابة، مثال ما يكتسبه العبد من
ضراوات الشهوات، وفتح أبواب الفتن عليه بعد عصمة النشأة وهداية الفطرة،
وسهولة سلوك سبيل العفاف عليه، وكفاية مؤنة المجاهدة.
ومثال ظهور أعلام الهلاك ومعاينة العذاب المعبر عنه بقوله:(حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا
عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ)مثال معاينة أعلام الآخرة وظهور
ملائكة الموت في سد باب التوبة.
أتبع ذلك قوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ
تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) . فعدد عليهم في
حال معاينتهم الهلاك ما كانوا يأتونه من التخلف عن الاستجابة والنكوص القهقرى
عن المسارعة إلى داعي الله ورسله استكبارًا منهم عن الحق والقبول له.
قوله: (بِهِ) يعني: القرآن والأمر المبلغ إليهم المتلو عليهم (سَامِرًا) أي:
دائمًا (تَهْجُرُونَ) الهجر: قول الخنا، والنكوص: الرجوع القهقرى تركًا للإقدام،
والسامر أيضًا: الجماعة يتحدثون ليلا ونهارا، والسمَر: ضياء القمر، سمي بذلك
كذلك لاجتماعهم إليه يسمرون للحديث وهم السمر والسمار، وقد يكون الهجر
قولاً لا تحصيل معه، ككلام المبرسم وصاحب الهذيان، وفائدة ذلك: أنهم كانوا
ليهلمون في القرآن بكلام الخنا على الدوام منهم، وبما لا تحصيل معه، وقد قرئ
هذا الحرف:"سَامِرًا تُهْجِرُونَ"من الهجران، وهو ظاهر في التلاوة، يقول: إنهم
كانوا يعرضون عن القرآن والذكر ويبغضونه كراهية له.
قوله - عز وجل -: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ(68)
القول هنا هو مخاطبتهم بالقرآن، وما يقول لهم [الرسول] ويبلغه
إلى أممهم، وسيأتي تفسير ذلك مشارًا إليه بعد في أثناء ما يأتي من الخطاب،
وجملته قول الرسل إليهم: (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ(2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ