ثم أخبر عن عاقبة أمرهم ، فقال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة بالحق} ؛ يعني: العذاب وهو الريح العقيم ؛ ويقال: وهي صيحة جبريل عليه السلام {فجعلناهم غُثَاء} ، يعني: يابساً ؛ ويقال: هلكى كالغثاء ، وهو جمع غثاء وهو ما على السيل من الزبد ، لأنه يذهب ويتفرق ؛ وقال الزجاج: الغثاء البالي من ورق الشجر ، أي جعلناه يبساً كيابس الغثاء ؛ ويقال: الغثاء النبات اليابس كقوله: {فَجَعَلَهُ غُثَآءً أحوى} [الأعلى: 5] .
ثم قال: {فَبُعْداً} ، يعني: سحقاً ونكساً {لّلْقَوْمِ الظالمين} ، يعني: بعداً من رحمة الله تعالى.
قوله عز وجل: {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً} ، يعني: خلقنا من بعدهم قروناً {ءاخَرِينَ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} ؛ وفي الآية مضمر ومعناه: فأهلكناهم بالعذاب في الدنيا ما تسبق من أمة ، يعني: ما يتقدم ولا تموت قبل أجلها طرفة عين ، {وَمَا يَسْتَخِرُونَ} بعد أجلهم طرفة عين.
قوله عز وجل: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا} ، يعني: بعضها على إثر بعض قرأ ابن كثير وأبو عمرو {رُسُلَنَا تَتْرَى} بالتنوين ، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الراء بغير تنوين ، وقرأ الباقون بنصب الراء وبغير تنوين وهو التواتر.
قال مقاتل: كلّ ما في القرآن"تَتْرا وَمِدْرَاراً وَأَبَابِيلَ وَمُرْدِفِينَ"، يعني: بعضها على إثر بعض.
قال القتبي: أصل تترى وتراً ، فقلبت الواو تاءً كما قلبوها في التقوى والتخمة وأصلها وتراً ، والتخمة وأصلها.
ثم قال عز وجل: {كُلَّمَا جَاءهُمْ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً} بالهلاك الأول فالأول ، {فجعلناهم أَحَادِيثَ} ؛ أي أخباراً وعبراً لمن بعدهم ؛ ويقال: فجعلناهم أحاديث لمن بعدهم ، يتحدثون بأمرهم وشأنهم ؛ وقال الكلبي: ولو بقي واحد منهم لم يكونوا أحاديث.