52 - {و} أقول لكم أيها الرسل: {إن هذه} هذه العقائد التي هي عقائد التوحيد والإيمان {أُمَّتُكُمْ} ؛ أي: ملتكم ودينكم جميعًا {أُمَّةً وَاحِدَةً} . حال من {هذه} ؛ أي: حالة كونها ملة وشريعة متحدة في أصول الشرائع التي لا تتبدل، ولا تتغير بتبدل الأعصار والأزمان، وتلك الملة المتحدة هي الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأما اختلاف الشرائع والأحكام بحسب اختلاف الأزمان والأحوال، لا يسمى اختلافًا في الدين؛ لأن الأصول متحدة، فالحائض والطاهر من النساء دينها واحد، وإن افترق تكليفهما.
{وَأَنَا رَبُّكُمْ} ومالككم لا شريك لـ في الربوبية، {فَاتَّقُونِ} ؛ أي: فاحذروا عقابي وخافوا عذابي، وفي هذا إيماء إلى أن دين الجميع واحد، فيما يتصل لمعرفة الله تعالى واتقاء معاصيه. والفاء في قوله: {فَاتَّقُونِ} فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت. عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أنني أنا ربكم ومالككم، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم: اتقون في شق العصا، ومخالفة الكلمة، والضمير للرسل والأمم جميعًا، على أن الأمر في حق الرسل للتهييج والإلهاب، وفي حق الأمم للتحذير والإيجاب.
فَإِنْ قُلْتَ: لم قال في سورة الأنبياء: {فَاعْبُدُونِ} وقال هنا: {فَاتَّقُونِ} ؟
قلت: لأن الخطاب في سورة الأنبياء للكفار، فأمرهم بالعبادة التي هي التوحيد، والخطاب هنا للرسل والمؤمنين بدليل قوله: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} والأنبياء والمؤمنون إنما يؤمرون بالتقوى لا بالتوحيد. وقال هناك: {وتقطعوا} بالواو، وقال: هنا {فَتَقَطَّعُوا} بالفاء؛ لأن التقطع هناك قد وقع منهم قبل هذا القول لهم، وما بعد الواو ليس مرتبًا على ما قبلها، والتقطع هنا وقع منهم بعد هذا القول، فما بعد الفاء مرتب على ما قبلها. اهـ."زكريا".