النوعين أشار إلى الاستعارة بالإضافة بذكر"مِن"، كذلك (من جبال فيها من برد) متضمنة لاستعارتين مؤسستين على خيال شعريّ بالنظر إلى السامع. وذلك الخيال مبني على ملاحظة المشابهة والمماثلة بين تمثل العالم العلويّ وتشكل العالم السفليّ. وتلك الملاحظة مبنية على تصور المسابقة والرقابة بين الأرض والجوّ فِي لبس الصور من يد القدرة كأن الأرض لما برزت بجبالها اللابسة للبيض من حلل الثلج والبَرَد فِي الشتاء ، والمتعممة بها فِي الربيع. ثم تزينت فِي الصيف ببساتينها المتلونة فأظهرت فِي نظر الحكمة بانقلاباتها معجزة القدرة الإلهية ، قابلَها جوُّ السماء محاكياً لها مسابقاً معها لإظهار معجزة العظمة الإلهية فبرز متبرقعاً ومتقمصاً بالسحاب المتقطع جبالا وأطواداً وأودية ، والمتلون بألوان مختلفة مصورة لبساتين الأرض ، ملوحا ذلك الجو بأجلى دلائل العظمة وأجلها. فبناء على هذه الرؤية والمشابهة والتوهم الخياليّ استحسن أسلوب العرب تشبيه السحاب لاسيما الصيفيّ بالجبال والسفن والبساتين والأودية وقافلة الإبل كما تسمع من العرب فِي خطبهم. فيخيل إلى نظر البلاغة أن قطعات السحاب الصيفي سيارة وسبّاحة فِي الجو ، كأن الرعد راعيها وحاديها كلما هزّ عصا بَرقه على رؤسهم فِي البحر المحيط الهوائي اهتزت تلك القطعات وارتجت ، وتراءت جبالا صادفت الحشر ، أو سفنا يلعب بها يد العاصفة ، أو بساتين ترججها من تحتها الزلزلة ، أو قافلة شردت من هجوم قطاع الطريق. ومع ذلك يسيرون ويجرون بأمر خالقهم حتى كأن كل ذرة من ذرات ذلك البخار تكمَّنتْ فِي مكانها اوّلا ساكتة ساكنة منتظرة لأمر خالقها. ولما ناداها الرعدُ - كالآلة المعروفة فِي العسكر - بـ"حَيَّ على الاجتماع والاتحاد!"تسارعوا من منازلهم مهطعين إلى داعيهم فيحشرون سحابا. ثم بعد ايفاء الوظيفة وأمرهم بالاستراحة يطير كل إلى وكره.. فبناء على هذه المناسبة الخيالية ، وعلى المجاورة بين السحاب والجبال - إذ