ثم أخبر عن نجاح أهل الفلاح بقوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] يشير إلى: الرجوع من تكبير قيام الإنسانية إلى تواضع خضوع الحيوانية، فإنها على أربع في الركوع، والرجوع من الركوع إلى الانكسار، والذلة النباتية في السجود، فإن النبات ذليل في السجود؛ لقوله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6] لأن الروح كان مجيئه بهذه المنازل من عالم الأرواح عبر على كلّ المنزل النباتي، ثم على المنزل الحيواني إلى أن بلغ المنزل الإنساني، فعند رجوعه إلى الحضرة يكون عبوره على كل هذه المنازل، وهذا سر قوله صلى الله عليه وسلم"الصلاة معراج المؤمن".
ثم قال الله تعالى: {وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ} يعني: بهذا الرجوع إليه؛ يعني: خالصاً لوجهه تعالى. {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} بالتوجه إلى الله تعالى في جميع أحوالكم وأعمال الخير كلها. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] بالعبور على هذه المنازل من حجب الظلمات النفسانية والأنوار الروحانية {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78] بأن تجاهدوا النفوس في تزكيتها بأداء الحقوق وترك الحظوظ، وتجاهدوا القلوب في تصفيتها بقطع تعلقات الكونين، ولزوم المراقبات عن الملاحظات، وتجاهدوا بالأرواح في تحليتها بإفناء الوجود في وجوده؛ لتبقى بوجود وجوده.