{هُوَ اجْتَبَاكُمْ} [الحج: 78] لهذه الكرامات من بين سائر البريات، ولولا أنه اجتباكم واستعداد هذا الجهاد أعطاكم وأيد هداكم لمَّا جاهدكم في الله، كما قيل: فلولاكم ما عرفنا الهوى، ولولا الهوى ما عرفناكم، ومن مبادئ حق الجهاد: ألاَّ يفتر عن المجاهدة لحظة، كما قال قائلهم: يا رب إن جهادي غير منقطع، وكل أرضك لي ثغر وطرسوس {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] أي: ضيِّق في السير إلى الله تعالى والوصول إليه؛ لأنك تسير إلى الله تعالى بتيسيره لا بسيرك، وتصل إليه بتقربك إليك لا بتقربك إليه، وإن كنت ترى أن تقربك إليه منك، ولا ترى بأن تقربكم إليه من نتائج تقربه إليك لا بتقربك إليه، كما قال الله تعالى:"من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً"، فالذراع إشارة إلى الشبرين، شبر سابق على تقربك إليه وشبر لاحق بتقربك إليه حتى لو مشيت إليه، فإنه يسارعك من قبل مهرولاً.
وبقوله تعالى: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78] يشير إلى أن السير والذهاب إلى الله تعالى من سنة إبراهيم عليه السلام بقوله: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99] ، وإنما سمَّاه بأبيكم، لأنه كأب آباءكم في طريقة السير إلى الله، كما قال صلى الله عليه وسلم:"أنا لكم كالوالد لوالده" {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} [الحج: 78] أي: الله في الأزل لاستسلامكم لقبول هذه الطريقة بأن جعلكم مستعدين {مِن قَبْلُ} [الحج: 78] إن خلقكم {وَفِي هَذَا} [الحج: 78] أي: وبعد أن خلقكم {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ} [الحج: 78] فيما تعملون؛ لأنه كان أول المخلوقات بالروح مشرفاً عليها.