ثم وصفت القلوب المنصورة بقوله تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ} [الحج: 41] أرض البشرية {أَقَامُواْ الصَّلاَةَ} [الحج: 41] استداموا المواصلات {وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ} [الحج: 41] زكاة الأحوال وهي: أن يكون من يأتي النفس من أنفاسهم مائة وتسعة وتسعون ونصف جزاؤهم، والباقي إيثار على خلق الله في الله مهما كان زكاة الأغنياء من مائتي درهم خمسة للفقراء والباقي لهم {وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ} [الحج: 41] حفظ الحواس عن مخالفة أحوال أمره، ومراعاة الأنفاس معه إجلالاً لقدره {وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ} [الحج: 41] ومن وجوه المنكرات الرياء والإعجاب والمساكنة والملاحظة {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج: 41] أمور المعاملات كلها منهم راجعة إلى الله تعالى في طلبه والوصول به.
ثم أخبر عن تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتربيته بقوله تعالى: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ} [الحج: 42] يشير إلى: أمر حتَّم الصبر من النبي صلى الله عليه وسلم على مقاساة ما يلقاه من قومه من فنون البلاء وصنوف الأسواء.
وبقوله تعالى: {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ} [الحج: 45] يشير إلى: خراب قلوب أهل الظلم، فإن الظلم يوجب خراب أوطان الظالم، فيخرب أولاً أوطان راحة الظالم وهو قلبه، فالوحشة هي غالبة على الظلمة من ضيق صدورهم، وسوء أخلاقهم، وفرط غيظهم على من يظلمون عليهم، كل ذلك من خراب أوطانهم راحاتهم وهي في الحقيقة من جملة العقوبات التي تلحقهم على ظلمهم، ويقال: خراب منازل الظلمة ربما يستأخر وربما يستعجل، وخراب نفوسهم في تعطلها عن العبادات بشؤم ظلمها كما قال تعالى: {فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [الحج: 45] وخراب قلوبهم باستيلاء الغفلة عليهم خصوصاً في أوقات صلواتهم وأوان خلواتهم فهو غير مستأخر.