قوله تعالى {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ارْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ} هذا خبر عن مقام المكاشفة في المراقبة أي إذا شاهدتم مشاهدة الكبرياء اركعوا وإذا شاهدتم مشاهدة العظمة اسجدوا وإذا شاهدتم جمال ربوبيته افنوا في العبودية {وَافْعَلُواْ الْخَيْرَ} تخيرون عن هذه المقامات طلاب معرفتى {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} بي عنى وتظفرون بعد فنائكم في بقائكم مع بقائى قال ابن عطا اركعوا واسجدوا أي اخضعوا وانقادوا لأوامره وسلموا لقضائه وقدره تكونوا من خالص عباده وافعلوا الخير ابتغاء الوسيلة لعلكم تفلحون أي لعلكم تجدون الطريق إليه ثم أمرهم بحق الجهاد لوجدان حقيقة المعاد والرجوع إلى المراد لأن ما أمرهم بالركوع والسجود على مقادير العبودية وطلب حق الربوبية في العبودية منهم بقوله {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} لا تظن أن هذا الأمر أمر مستحيل من حيث عجز الخلق عن درك إدراك حقيقته انما أراد بهذا الأمر فناء الخليقة في الحقيقة وهذا ممكن خاصة انه أخبر تعالى انهم بذلك مصطفون بقوله {هُوَ اجْتَبَاكُمْ} أي هو اجتباكم بالفناء في بقائه حين ينكشف أنوار شموس القدم لأهل العدم جاهدوا في الله أي افنوا في الله حق الفناء بحيث لا ترون فناءكم في بقائه بل ترون وجوده بوجوده لا بوجودكم لأن هذه الاجتبائية الأزلية تقتضي لكم مشاهدته ومشاهدته يقتضى لكم فناءكم فيه ثم بين أن في هذا الطريق المبارك والدين الشريف لم يكن حرج وتكليف ما لا يطاق بقوله {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} أي إذا شاهدتم مشاهدة جمالي سهل عليكم فناؤكم في جلالى أن من عاينى عشقنى وطاب عيشه معى وسهل عليه بذل مهجته إليّ لأن هذا مقام العاشقين الواقعين المحبين مثل الخليل والحبيب والكليم ألا ترى كيف قال {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} ملة أبيكم العشق والمحبة والخلة والاستسلام والانقياد وبذل الوجود بنعت السخاء والكرم يا اسباط خليلى راى ابوكم استعداد هذه المراتب الشريفة فيكم قبل وجودكم بنور النبوة بقوله {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} سماكم منقادين وبين يدي عارفين بوحدانيتى وفيما ذكرنا من أوصافكم حبيبى