قوله تعالى {ياأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} بين الله سبحانه ذل الخليقة تحت قهر سلطانه وعظمة كبرياء قدمه لئلا يقبل على معدن الضعف وذل من يطلب العز السرمدى فان الخليقة ممنوعة عن قوة قادرية أحدية وكيف يكون لها مشية وقدرة وجميعها في قبضة الجبروت عاجزة اسيرة لعزته وجلاله دعا الخلق بنعت الإقبال إليه بلسان الغيرة عن الإقبال على معادن الحدثية ليكونوا عارفين بعز الربوبية وذل الخليقة قال ابن عطا دلهم بهذا على مقاديرهم فمن كان أشد هيبة وأعظم ملكا لا يمكنه الاحتراز من اهون الخلق واضعفه يعلم بذلك عجزه وضعفه وعبوديته وذلته ولا يفتخر على ابناء جنسه من بني آدم بما يملكه من الدنيا قال أبو بكر بن طاهر ضعف الطالب أن يدركه والمطلوب أن يقوته ثم بين سبحانه بعد ذكره عجز الخلق والخليقة جلال قدره الذي لا يعرفه غيره بقوله {مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ازال المخائيل والأوهام والعقول عن إدراك جلاله وقدره وهذا شكاية الله عن إشارة الخلق إليه بما هو غير موصوف به ذكر غيرته إذا اقبلوا إلى غير من هو موصوف بالقوة الأزلية والعز السرمدية ألا ترى كيف قال الله {إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} قال الواسطى لا يعرف قدر الحق إلا الحق وكيف يقدر قدره أحد وقد عجز عن معرفة قدر الوسائط والرسل والأولياء والصديقين ومعرفة قدره أن لا تلتفت عنه إلى غيره ولا تغفل عن ذكره ولا تفتر عن طاعته إذ ذاك عرفت ظاهر قدره وأما حقيقة قدره فلا يقدر قدرها إلا هو ثم بين سبحانه انه اصطفى من الملائكة ومن الناس رسلا يخبرون عنه ما يتعلق بعجز الخلق من إدراكه من وصف ذاته وصفاته بقوله {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ} الملائكة وسائط الأنبياء والأنبياء وسائط العموم والأولياء للأولياء خالصة.