رأينا أن الدكتور محمد عبد الله دراز يجعل هذا المثل لبيان حال الكافرين ،
والذي بعده لبيان حال المنافقين ، على طريقة اللف والنشر المرتب . .
وقد جارينا الدكتور دراز فِي هذا التقسيم لسبب ذكره هو هناك . .
ولسبب آخر نذكره نحن.
وهو أن عرض القرآن لقصة الكافرين كان موجزاً إذ لم يتعد الآيتين -
كما سبق آنفاً - أما عرضه لقصة المنافقين فقد كان مفصلاً إذا ما قيس بقصة
الكافرين.
وهذان المثلان - كذلك - أولهما موجز بالقياس إلى ثانيهما ، وهذا يمكن
الاستئناس به بل التمسك به عندما يقال إن المثل الأول وارد لبيان حال الكافرين.
وأياً كان الخلاف فإن هذا لا يؤثر على جوهر الموضوع . فلنأخذ فِي البيان:
"مثلهم": أي قصتهم العجيبة الشأن.
ويرى الزمخشري أن المثل - هنا - مستعار استعارة الأسد للمقدام.
يريد بذلك الاستعارة التصريحية الأصلية
للحالة أو القصة أو الصفة إذا كان لها شأن أو فيها غرابة
كأنه قال: إن حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد ناراً.
وهذا التشبيه معقود بين صورة معقولة - وهي المشبه - وصورة محسوسة هي
المشبَّه به.
والفائدة فيها عائدة على المشبه شأن كل تشبيهات القرآن ، ووجه
الشبه هو الحيرة والشك والتخبط . والتورط فِي الظلام .
وقد عبَّر القرآن فِي ثنايا هذا التشبيه بـ"الإضاءة"فِي حال
الإثبات ، وبـ"النور"فِي حال النفي دون الإضاءة ، ليفيد الذهاب بكل ما
حصل لهم من نور . وإحلال الظلام محله . ولو عبَّر بنفى الإضاء لأفاد ذلك نفى الزيادة فِي النور مع بقاء أصل النور لأن"إضاءة"فرط النور.
وفي:"ذهب الله بنورهم"استعارة تمثيلية . لأن الواقع أن لا نور
حقيقة ولا ظلمات.
وفي إسناد الذهاب والترك إلى"الله"تسجيل عليهم
بالضلال الذي ليس بعده هدى لأن الذاهب بالنور ، والتارك لهم فِي الظلمات ، هو الله الذي لا معطي لما منع . ولا مانع لما أعطى.