حقيقته ؟ قلتُ: حقيقته أن الحُجة كما جُعِلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء . لأن الأعمى لا يهتدى ولا يهدى غيره . .
فمعنى: فعميت عليكم البينة: لم تهدكم
كما لو عمى على القوم دليلهم فِي المفازة بقوا بغير هاد"."
وما ذكره الراغب والزمخشري ليس بمقنع.
بل إن ما ذكراه لا يخلو من مآخذ
وهي - فيما ذكره الراغب - يسيرة.
لأنه قال: حتى صار بالإضافة إليه كالأعمى.
وهذا لا يحل الإشكال ، لأن القوم لم يبصروا الأنباء ، ولم يهتدوا
إلى الرحمة ، فهم العُمْىُ وليست الأنباء أو الرحمة.
وما ذكره الزمخشري فيه مجافاة للأوْلى . لأنه فسَّر الرحمة بالنبوة.
ثم جعلها - أي النبوة - عمياء من حيث لم تهدهم كما لو ضَل دليل قوم فِي مفازة بقوا بغير هاد.
وكما جُعِلت الحُجة بصيرة ومبصرة جُعِلت عمياء.
هذا مُحصل كلامه . . ولو كان الأمر كذلك لكان للقوم أكبر حجة يتمسكون بها على البقاء على الكفر . ما دامت حُجَّتهم عمياء.
* محاولة لتوجيه المعنى فِي الموضعين:
والذي أراه أن المسألة فِي الموضعين تُفهم على المجاز المرسل . الذي علاقته
الجزئية لأن القوم عُمْىٌ لا يبصرون شيئاً.
والحجَّة أو الأنباء بعض أفراد ما لا يبصرونه ، فكما يقال: رعت الإبل الغيثَ - ويراد به النبات المتسبب عن
الغيث يقال هنا على الأنباء إذا لم تُبْصَر بأنها عمياء . .
لأنها جزء ما لا يبصره القوم.
وأولى من هذا عندي أن يُقال إن فِي العبارة قلباً على حد قول الشاعر:
* وَلاَ يَكُ مَوْقِف مِنَ الوداعَا *
أما ما ذكره الراغب والزمخشري فلا يسلم من المآخذ كما رأينا.
وبعد هذا يمكن أن يقال: إن هاتين الآيتين"عَمَه"و"عمى"
في القرآن مادتا مجاز.
* الاشتراء والضلالة:
(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ(16) .
عبَّر عنهم باسم الإشارة الموضوع للبعيد.