إشارة إلى بُعدهم عن الحق الذي باعوه فكان فِي هذا التعبير براعة استهلال من أول مطلع ،
و"الاشتراء"افتعال من الشراء.
وهو هنا مستعار من معناه اللغوي المعروف لاستبدالهم الضلالة بالهدى.
لأنه يفيد اختيارهم للضلالة على الهدى ، والاستعارة فيه تصريحية تبعية
لجريانها فِي المشتق.
ولعل السر البلاغي الذي عدل من أجله عن أصل التعبير - الذي هو
الاستبدال - لأن المشترِي يكون راغباً فِي الشيء المشترَى . باذلاً للثمن فيه.
لأنه غير راغب فيه إذا قورن بما اشتراه.
هذا غرض . .
وغرصْ آخر: إن الشيء المشترَى ملازم لمن اشتراه.
أما الثمن المبذول فيه فمفارق له متى وقع البيع بين الطرفين صحيحاً .
وهؤلاء كانوا زاهدين فِي الهدى ، ولذلك بذلوه ثمناً فيما بحبونه - وهو
الضلالة ، فبين هذا المجاز معان وخفايا مستورة لم يكن للوقوف عليها سبيل لو
عبَّر عنها بأسلوب الحقيقة اللغوية.
* استعمالات"شَرَى"وقانونها:
وهذه المادة - مادة"شَرَى"- وردت فِي القرآن خمساً وعشرين مرة
جاءت على صور المجاز فِي ثلاث وعشرين مرة منها.
وعلى المعنى الحقيقي فِي مرتين فحسب ، ولها فِي القرآن منهج وقانون . فلنذكره مطبقين عليه بالأمثلة:
1 -إذا خلت من تاء الافتعال كانت بمعنى"باع"، وجاءت على هذه
الصورة فِي أربعة مواضع.
ثلاثة منها على المعنى المجازي.
وواحد بالمعنى الحقيقي وهي على الترتيب:
(وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(102) .
(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ) .
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) .
وهذه هي المواضع الثلاثة التي استُعْمِلت فيها المادة استعمالاً مجازياً كما هو
ظاهر من السياق.
أما الموضع الرابعء . فهو قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف: