20 -لكن يمكن أن يؤخذ ظلمة الليل من سياق الآية، حيث قال تعالى بعد هذه الآية: {يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ} وبعده {وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا} . فإنّ خطف البرق البصر، إنما يكون غالبا في ظلمة الليل، وكذا وقوف الماشي عن المشي، إنما يكون إذا اشتدت ظلمة الليل، بحيث يحجب الأبصار عن إبصار ما هو أمام الماشي من الطريق وغيره، وظلمة سحمة السحاب وتكاثفه في النهار، لا يوجب وقوف الماشي عن المشي. وجعل المطر محلّا للظلمات، مع أنّ بعضها لغيره، كظلمة الغمام والليل؛ لما أنّهما جعلتا من توابع ظلمته مبالغة في شدّته، وتهويلا لأمره، وإيذانا بأنّه من الشدة والهول، بحيث تغمر ظلمته ظلمات الليل والغمام.
{وَرَعْدٌ} هو صوت قاصف شديد يسمع من السحاب، والصحيح الذي عليه المعوّل: أنّه اسم لصوت الملك الذي يزجر السحاب، لما روى الترمذي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: سألت اليهود النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرعد ما هو؟ قال:
«ملك من الملائكة بيده مخاريق» جمع مخراق: آلة تزجر الملائكة بها السحاب مثل السوط من نار، «يسوق بها السحاب حيث شاء الله» ، قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: «زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر» ، قالت: صدقت. الحديث بطوله، وفي إسناده مقال. فالمراد بالرعد في هذه الآية: صوت ذلك الملك لا عينه، كما في بعض الروايات: من أنّ الرعد: ملك موكل بالسحاب يصرفه إلى حيث يؤمر، وأنّه يجوز الماء في نقرة إبهامه، وأنّه يسبّح الله، فإذا سبّح الله لا يبقى ملك في السماء إلّا رفع صوته بالتسبيح، فعندها ينزل المطر.
قال القرطبيّ: وعلى هذا التفسير أكثر العلماء، والمشهور عند الحكماء: أنّ الرعد يحدث من اصطكاك أجرام السحاب بعضها ببعض، أو من إقلاع بعضها عن بعض عند اضطرابها بسوق الرياح إياها سوقا عنيفا، وإلى هذا ذهب جمع من المفسرين تبعا للفلاسفة، وجهلة المتكلمين.