استثناء للواجب والممتنع؛ إذ المشيء لا يتناولهما. أما الواجب تَعَالَى فلأنه شيء بمعنى شاء
لا بمعنى مشيء وهو الْمُرَاد هنا، وأما الممتنع بالذات كالشريك للباري واجتماع النقيضين
فلأنه لا تتعلق به المشيئة قطعًا لامتناعه بالذات فلا يكون مشَيْئًا كما لا يكون شاء فلا يطلق
عليه شيء أصلا.
قوله: (والمعتزلة قَالُوا الشيء ما) رد لما في الكَشَّاف من أن هذا الْمَعْنَى هُوَ المراد
هنا فرده بأنه يلزم التَّخْصِيص. وأما التَّفْسيران الْمَذْكُوران فمنقولان عن أهل اللغة كما أشار
إليه بقوله قاله سيبَوَيْه فلا يصح أن يقال إنه أراد الرد لما في الكَشَّاف لأن الزَّمَخْشَريّ أراد
بيان معناه لغة، ولا خلاف بيننا وبين المعتزلة في الْمَعْنَى اللغوي، فإن هذا بحث لفظي متعلق
باللغة فعندنا الشيء الموجود فقط فكل شيء موجود عند الأشاعرة وكل موجود شيء
عندهم ولا ينكرون إطلاقه عَلَى المعدوم مَجَازًا أو لغة كما مَرَّ نقله عن الفاضل الخيالي
وعند المعتزلة ما ذكر في الكَشَّاف، وإنما الخلاف بيننا وبينهم في أن المعدوم الممكن
شيء بمعنى أنه ثابت متقرر في الخارج منفك عن صيغة الموجود فمنعه الأشاعرة مُطْلَقًا
وذهب إليه المعتزلة كما فصل في المواقف وشرحه، وأما إطلاق الشيء واسْتعْمَاله في كلام
الله تَعَالَى وكلام الفصحاء في الموجود والمعدوم الممكن والمحال والواجب والحادث
فمما لا نزاع فيه.
قوله: (يصح أن يوجد) بمعنى يمكن أن يوجد بالإمكان العام المقيد بالوجود فيتناول
الواجب كما قال (وهو يعم الواجب والممكن) بالإمكان الخاص فالمقسم الممكن بالإمكان
العام والقسم الممكن بالإمكان الخاص فلا محذور وهذا التعريف لا يتناول الممتنع لقيد
يصح أن يوجد أي يمكن لأن الصحة تقابل السقم وفي معنى الإمكان اسْتعَارَة مَشْهُورة
ملحقة بالْحَقيقَة (أو ما يصح أن يعلم ويخبر عنه) وفي الْمَعْنَى الثاني لما اعتبرت صحة
المعلومية والْإخْبَارية (فيعم الممتنع أَيْضًا) كما يعم الواجب والممكن بالإمكان الخاص فهو
أعم من الأول مطلقًا.
قوله: (لزمهم التَّخْصِيص) أي تَخْصيص الشيء العام في قَوْله تَعَالَى: (إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلّ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: وهو يعم الواجب والممكن. أقول: فيه إطلاق الجائز عَلَى الواجب فإن معنى صحة
الوجود جوازه والصحة والجواز إنما هما صفتان لوجود الممكن لا الواجب.
قوله: لزمهم التَّخْصِيص بالممكن في الموضعين بدليل العقل. قال الفاضل أكمل الدين وهذا
إنما يصح إذا جاز أن يكون العقل مخصصًا وأكثر أهل الأصول عَلَى منعه ثم قال: وأقول الأصوليون
يستنبطون الأحكام الشرعية من النصوص وهي الأصل في الأصول والعقل تابع فإن الْقيَاس مع
النص متروك فلهم أن لا يجوزوا التَّخْصِيص في النص به، وأما في الاعتقادات بالأمر ليس كَذَلكَ
فإن النص إذا لم يوافق العقل فيها صرنا إلَى تأويل النص فجاز أن يكون العقل مخصصًا فيكون