والأشُدُّ هو: التسامي في الرُّشْد وقال هنا (أربعين سنة) مع أننا ذكرنا أن الإنسان يبلغ رُشْد البِنْية ورُشْد العقل بعد سِنَِّ البلوغ في الخامسة عشرة تقريباً ، إذن: مَنْ لم يرشُدْ حتى الأربعين فلا أملَ فيه ، والنار أَوْلَى به ؛ لأنه حين يكفر أو ينحرف عن الطريق في عنفوانه شبابه وقوته نقول: شراسة الشباب والشهوة والمراهقة ، إلى آخر هذه الأعذار فإذا ما بلغ الأربعين فما عذره؟
وإذا لم يتلقَّ مبادئ الرُّشْد في صِغَره وفي شبابه ، فلا شَكَّ أنه سيجد في أحداث الحياة طوال أربعين سنة واقعاً يُرشده قَهْراً عنه ، حيث يرى أعماله وعواقبها وأخطاءه وسقطاته ، وينبغي أنْ يأخذ منها درساً عملياً نظرياً في الرُّشْد .
ومن ذلك ما نسمعه من مصطلحات معاصرة يقولون"الرشد السياسي"ويقولون"ترشيد الاستهلاك"، ما معنى هذه المصطلحات؟ معناها أن أحداث الحياة وتجاربها وعدم الرُّشْد في مسيرتهم عضَّت الناس ، وألجأتْهم إلى التفكير في ترشيد يُذهب هذا الفساد .
إذن: فالرُّشْد للذات والترشيد للغير كما نفعل في ترشيد استهلاك القمح مثلاً وكنا نعلف به المواشي ، حتى أصبحنا لا نجده ؛ لذلك بدأنا في ترشيد استهلاك رغيف الخبز وصِرْنا نقسمه أربعة أقسام ، ونأكل بحساب ، ولا نهدر شيئاً ، وما يتبقى يتبقى نظيفاً نأكله في وَجْبة أخرى .
وقد لا يكون عند الخباز نفسه ترشيد ، فيُخرج الرغيف قبل استوائه فتجده عجيناً ، كله لبابة ، فتأتي ربة البيت الواعية فتفتح الرغيف قبل وضعه على المائدة ، وتُخرِج منه هذه البابة ، وتجمعها ثم تُحمِّصها في الفرن ، وتصنع منها طعاماً آخر .
وما يقال في"ترشيد الخبز"يقال في"ترشيد الماء"، وقد أمرنا رسول الله بترشيد استهلاك الماء حتى في الوضوء الذي هو قربي إلى الله .