وقد أطال الكلام القرطبي في ذلك، ولقل عن كعب الأخبار وغيره أحوال خلق الأرض العليا والسفلى؛ ولا يصار إليها إلا أن يصح من ذلك شيء من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم (وجعلنا من الماء) أي خلقنا وأحيينا أو صيرنا بالماء الذي ننزله من السماء وينبع من الأرض.
(كل شيء حي) فيشمل الحيوان والنبات، والمعنى أن الماء سبب حياة كل شيء، وقيل: المراد بالماء هنا نطفة الرجل وبه قال أبو العالية وأكثر المفسرين وخرج هذا اللفظ مخرج الأغلب والأكثر وهذا احتجاج على المشركين بقدرة الله.
سبحانه، وبديع صنعه، وقد تقدم تفسير هذه الآية.
(أفلا يؤمنون) الهمزة للإنكار عليهم حيث لم يؤمنوا مع وجود ما يقتضيه من الآيات الربانية
(وجعلنا في الأرض رواسي) أي جبالاً ثوابت جمع راسية من رسا الشيء إذا ثبت ورسخ، يقال جبال راسية وراسيات ورواس
(أن تميد بهم) الميد: التحرك والدوران أي لئلا تتحرك وتدور بهم أو كراهة ذلك، وقد تقدم تفسير ذلك في النحل مستوفى.
(وجعلنا فيها) أي في الرواسي أو في الأرض وهو الظاهر (فجاجاً) طرقاً واسعة، قال أبو عبيدة: هي المسالك، وقال الزجاج: كل مخترق بين جبلين فهو فج و (سبلاً) تفسير للفجاج، لأن الفج قد لا يكون طريقاً نافذاً مسلوكاً (لعلهم يهتدون) إلى مصالح معاشهم ومقاصدهم في الأسفار، وما تدعو إليه حاجاتهم
(وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً) عن أن يقع ويسقط على الأرض، كقوله: (ويمسك السماء أن تقع على الأرض) .
وقال الفراء: محفوظاً بالنجوم من الشيطان كقوله: (وحفظاً من كل شيطان مارد) ، وقيل محفوظاً لا يحتاج إلى عماد، وقيل المراد بالمحفوظ هنا المرفوع، وقيل محفوظاً عن الشرك والمعاصي، وقيل عن الهدم والنقض، وقيل عن الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم.