والذي أقولُه: إنه متى التقى التضعيفُ المذكورُ والكسرُ نحو: ظَلِلْتُ ومَسِسْتُ انقاس الحذفِ . وهل يَجْري الضمُّ مجرى الكسرِ في ذلك؟ فالظاهرُ أنه يجري . بل بطريق الأَوْلى ؛ لأن الضمَّ أثقلُ من الكسر نحو: غُضْنَ يا نسوةُ أي: أغْضُضْنَ أبصارَكُنَّ ، ذكره جمال الدين ابن مالك . وأمَّا الفتحُ فالحذفُ فيه ضعيفٌ نحو:"قَرْن يا نسوةُ في المنزل"ومنه في أحدِ توجيهَيْ قراءةِ {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: 33] كا سيأتي إنْ شاء الله تعالى .
وأمَّا الكسرُ فوجهُه أنه نَقَل كسرةَ اللامِ إلى الفاءِ بعد سَلْبِها حركتَها لتدُلَّ عليها . وأمَّا الضمُّ فيحتمل أن يكونَ جاء فيه لغةٌ على فَعَل يفعُل بفتحِ العينِ في الماضي وضمِّها في المضارع ، ثم نُقِلَتْ ، كما تقدّم ذلك في الكسر . وأمَّا ظَلِلْت بلامين فهذه هي الأصلُ ، وهي مَنْبَهَةٌ على غيرِها . و"عاكفاً"خبرُ"ظلَّ".
قوله: {لَّنُحَرِّقَنَّهُ} جوابُ قسمٍ محذوفٍ أي: واللهِ لَنُحَرِّقَنَّهُ . والعامَّة على ضمِّ النونِ وكسرِ الراءِ مشددةً مِنْ حَرَّقه يُحرِّقُه بالشديد . وفيها تأويلان . أظهرُهما: أنها مِنْ حَرَّقه بالنار . والثاني: أنه مِنْ حَرَق نابُ البعير ، إذا وقع عَضُّ ببعضِ أنيابِه على بعضٍ . والصوتُ المسموعُ منه يُقال له الصَّريفُ . والمعنى: لنَبْرُدَنَّه بالمِبْرد بَرْداً نمحقُه به كما يفعل البعيرُ بأنيابِه بعضها على بعض .
وقرأ الحسن وقتادة وأبو جعفر"لَنُحْرِقَنَّه"بضم النون وسكونِ الحاءِ وكسرِ الراء ، مِنْ أحرق رباعياً . وقرأ ابن عباس وحميد وعيسى وأبو جعفر"لَنَحْرُقَنَّه"كذلك إلاَّ أنه ضمَّ الراء . فيجوز أن يكونَ أَحْرق وحرَّق بمعنى كأَنْزَل ونَزَّل . وأمَّا القراءةُ الأخيرة فبمعنى لنَبْرُدَنَّه بالمبرد .