ويجوز أن يكون مراداً به عدم الاكتراث بحاله كقول النبهاني من شعراء"الحماسة":
فإن كنتَ سيدنا سُدْتَنا...
وإن كنت للخَال فاذْهَب فَخَلْ
أما قوله {فَإنَّ لَكَ في الحَيَاةِ أن تَقُولَ لا مِساس وإنَّ لكَ مَوْعِداً لَن تُخْلفَهُ} فهو إخبار بما عاقبه الله به في الدنيا والآخرة ، فجعل حَظه في حياته أن يقول لا مِساس ، أي سلبه الله الأُنس الذي في طبع الإنسان فعوضه به هوساً ووسواساً وتوحشاً ، فأصبح متباعداً عن مخالطة الناس ، عائشاً وحده لا يترك أحداً يقترب منه ، فإذا لقيه إنسان قال له: لا مساس ، يخشى أن يمسه ، أي لا تمسني ولا أمسك ، أو أراد لا اقتراب مني ، فإن المس يطلق على الاقتراب كقوله {ولا تمسوها بسوء} [هود: 64] ، وهذا أنسب بصيغة المفاعلة ، أي مقاربة بيننا ، فكان يقول ذلك ، وهذه حالة فظيعة أصبح بها سخرية.
ومِساس بكسر الميم في قراءة جميع القراء وهو مصدر ماسّهُ بمعنى مسه ، و (لا) نافية للجنس ، و مساس اسمها مبني على الفتح.
وقوله وإنَّ لكَ مَوعِداً اللام في {لَكَ} استعارة تهكمية ، كقوله تعالى: {وإن أسأتم لها} [الإسراء: 7] أي فعليها.
وتوعده بعذاب الآخرة فجعله موعداً له ، أي موعد الحشر والعذاببِ ، فالموعد مصدر ، أي وعد لا يخلف {وعد الله لا يخلف الله وعده} [الروم: 6] .
وهنا توعُّد بعذاب الآخرة.
وقرأ الجمهور لن تُخلَفه بفتح اللاّم مبنيّاً للمجهول للعلم بفاعله ، وهو الله تعالى ، أي لا يؤخره الله عنك ، فاستعير الإخلاف للتأخير لمناسبة الموعد.
وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب بكسر اللام مضارع أخْلَف وهمزته للوجدان.
يقال: أخلف الوعد إذا وجده مُخْلَفاً ، وإما على جعل السامريّ هو الذي بيده إخلاف الوعد وأنه لا يخلفه ، وذلك على طريق التهكم تبعاً للتهكم الذي أفاده لام الملك.