وآخر يعترض لأن زميله في العمل رُقِّي حتى صار رئيساً له ، فإذا به يحقد عليه ويحقره ، وتشتعل نفسه عليه غضباً ، وكان عليه أن يتساءل قبل هذا كله: أأخذ زميله شيئاً من مُلْك الله دون قضائه وقدره ، إذن: فعليك إذا لم تحترم هذا الزميل أن تحترم قدر الله فيه ، فما أخذَ شيئاً غصباً عن الله .
لذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"اسمعوا وأطيعوا ، ولو وُلِّى عليكم عبد حبشيّ ، كأنّ رأسَه زبيبة".
ثم يقول الحق سبحانه: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة}
أي: من خصال إسماعيل العظيمة التي ذكرها الله تعالى له: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة والزكاة} [مريم: 55] أي: زوجته . والحق تبارك وتعالى لا يهتم بخَصْلة ولا يذكرها إلا إنْ كانت كبيرة عنده ، تساوي كونه صادقَ الوعد وكونه رسولاً ونبياً ، فمَنْ أراد أنْ يتصفَ بصفة من صفات النبوة ، فعليه أنْ يأمرَ أهله بالصلاة والزكاة .
لكن ، لماذا اختص أهله بالذات؟ اختص أهله لأنهم البيئة المباشرة التي إنْ صَلُحتْ للرجل صَلُحَ له بيته ، وصَلُحَتْ له ذريته ، إذا كان الرجل يلفت أهله إلى ذكر الله والصلاة خمس مرات في اليوم والليلة فإنه بذلك يسدُّ الطريق على الشيطان ، فليس له مجال في بيت يصلي أهله الخمس صلوات .
لذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"رحم الله أمرأ استيقظ من الليل ، فصلَّى ركعتين ثم أيقظ أهله فإن امتنعتْ نضح في وجهها الماء ، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلَّتْ ركعتين ، ثم أيقظتْ زوجها ، فإنِ امتنع نضحتْ في وجهه الماء".
إذن: فكل رجل وكل أمراة يستطيع في كل ليلة أن يكون رسولاً لأهله ولبيئته يقوم فيها بمهمة الرسول ؛ لأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والرسل ، فليس بعد تشريعه تشريع ، وليس بعد كتابه كتاب ؛ لأن أمته ستحمل رسالته من بعده ، وكل مؤمن منهم يعلم من الإسلام حُكْماً فهو خليفة لرسول الله في تبليغه .