وقيل: الوليّ بمعنى القريب ، أي تكون للشيطان قريباً منه في النار ، فلما مرّت هذه النصائح النافعة والمواعظ المقبولة بسمع آزر قابلها بالغلظة والفظاظة والقسوة ، فقَال {أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِى يا إبراهيم} والاستفهام للتقريع والتوبيخ والتعجيب ، والمعنى: أمعرض أنت عن ذلك ومنصرف إلى غيره؟ ثم توعده فقال: {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ} أي بالحجارة.
وقيل: باللسان ، فيكون معناه: لأشتمنك.
وقيل: معناه لأضربنك.
وقيل: لأظهرنّ أمرك {واهجرني مَلِيّاً} أي زماناً طويلاً.
قال الكسائي: يقال هجرته ملياً وملوة وملاوة ، بمعنى: الملاوة من الزمان ، وهو الطويل ، ومنه قول مهلهل:
فتصدّعت صمّ الجبال لموته... وبكت عليه المرملات ملياً
وقيل: معناه اعتزلني سالم العرض لا تصيبك مني معرّة ، واختار هذا ابن جرير ، فملياً على هذا منتصب على الحال من إبراهيم وعلى القول الأوّل منتصب على الظرفية ، فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على العناد {قَالَ سلام عَلَيْكَ} أي تحية توديع ومتاركة كقوله: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً} [الفرقان: 63] .
وقيل: معناه: أمنة مني لك ، قاله ابن جرير.
وإنما أمنه مع كفره لأنه لم يؤمر بقتاله ، والأوّل أولى ، وبه قال الجمهور.
وقيل: معناه الدعاء له بالسلامة ، استمالة له ورفقاً به ثم وعده بأن يطلب له المغفرة من الله سبحانه تألفاً له وطمعاً في لينه وذهاب قسوته:
والشيخ لا يترك أخلاقه... حتى يوارى في ثرى رمسه
وكان منه هذا الوعد قبل أن يعلم أنه يموت على الكفر ، وتحق عليه الكلمة ، ولهذا قال الله سبحانه في موضع آخر: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} .