بعد قوله: {وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} [التوبة: 114] وجملة: {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} تعليل لما قبلها ؛ والمعنى: سأطلب لك المغفرة من الله ، فإنه كان بي كثير البرّ واللطف.
يقال: حفي به وتحفّى إذا برّه.
قال الكسائي: يقال حفي بي حفاوة وحفوة.
وقال الفراء: إنه كان بي حفياً ، أي عالماً لطيفاً يجيبني إذا دعوته.
ثم صرح الخليل بما تضمنه سلامه من التوديع والمتاركة فقال: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله} أي أهاجر بديني عنكم وعن معبوداتكم حيث لم تقبلوا نصحي ولا نجعت فيكم دعوتي {وادعوا رَبّي} وحده {عسى أَن لا أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا} أي خائباً.
وقيل: عاصياً.
قيل: أراد بهذا الدعاء: هو أن يهب الله له ولداً وأهلاً يستأنس بهم في اعتزاله ويطمأن إليهم عند وحشته.
وقيل: أراد دعاءه لأبيه بالهداية ، وعسى للشك لأنه كان لا يدري هل يستجاب له فيه أم لا ، والأوّل أولى لقوله: {فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله وَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ} أي جعلنا هؤلاء الموهوبين له ، أهلاً وولداً بدل الأهل الذين فارقهم {وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً} أي كل واحد منهما ، وانتصاب {كلا} على أنه المفعول الأوّل لجعلنا قدّم عليه للتخصيص ، لكن بالنسبة إليهم أنفسهم لا بالنسبة إلى من عداهم أي كل واحد منهم جعلنا نبياً ، لا بعضهم دون بعض {وَوَهَبْنَا لَهْمْ مّن رَّحْمَتِنَا} بأن جعلناهم أنبياء ، وذكر هذا بعد التصريح بجعلهم أنبياء لبيان أن النبوّة هي من باب الرحمة.
وقيل: المراد بالرحمة هنا: المال ، وقيل: الأولاد ، وقيل: الكتاب ، ولا يبعد أن يندرج تحتها جميع هذه الأمور {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً} لسان الصدق: الثناء الحسن ، عبر عنه باللسان لكونه يوجد به كما عبر باليد عن العطية.