أن الحشر حق ؛ لأن فِي الكائنات نظاماً أكمل قصدياً.. وأن فِي الخلقة حكمة تامة.. وأن لا عبثية فِي العالم.. وأن لا إسراف فِي الفطرة.. والمزكي لهؤلاء الشواهد الاستقراء التام بجميع الفنون التي كل منها شاهدُ صدق على نظام نوع موضوعه.. وأيضا إن فِي كثير من الأنواع مثل اليوم والسنة وغيرهما قيامة مكررة نوعية.. وأيضا جوهر استعداد البشر يرمز إلى الحشر.. وأيضا عدم تناهي آمال البشر وميوله يشير إليه.. وأيضا رحمة الصانع الحكيم تلوح به.. وأيضا لسان الرسول الصادق عليه السلام يصرّح به.. وأيضا بيان القرآن المعجز فِي أمثال (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أطْوَاراً) (وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) يشهد له. تلك عشرة كاملة ، مفاتيح للسعادة الأبدية وأبواب لتلك الجنة.
أما بيان البرهان الأول: فهو أنه لو لم تنجر الكائنات إلى السعادة الأبدية لصار ذلك النظام الذي اتقن فيه صانعُه اتقاناً حَيَّرَ فيه العقول صورةً ضعيفة خادعة ، وجميع المعنويات والروابط والنسب فِي النظام هباء منثوراً. فليس نظام ذلك النظام الاّ اتصاله بالسعادة ، أي أن النكت والمعنويات فِي ذلك النظام انما تتسنبل فِي عالم الآخرة. وإلاّ لانطفأ جميع المعنويات ، وتقطّع مجموع الروابط ، وتمزّق كل النسب ، ويتفتت هذا النظام ؛ مع أن القوة المندمجة فِي النظام تنادي بأعلى صوتها: أن ليس من شأنها الانقضاض والانحلال.
وأما البرهان الثاني: فهو أن تمثال العناية الأزلية الذي هو الحكمة التامة ، التي هي رعاية المصالح والحِكَم فِي كل نوع ، بل فِي كل جزئي - بشهادة كل الفنون - يبشر بقدوم السعادة الأبدية. وإلاّ لَزِم إنكار هذه الحكم والفوائد التي أجبرتنا البداهةُ على الإقرار بها ؛ إذ حينئذ تكون الفائدة لا فائدة.. والحكمة غير حكمة.. والمصلحة عدم مصلحة. وإن هذا إلا سفسطة.