أن فيه إشارةً إلى تشويق أهل الكتاب على الإيمان وتأنيسهم ، والتسهيل عليهم. كأنه يقول:"لايشقنّ عليكم الدخول فِي هذا السلك ، إذ لا تخرجون عن قشركم بالمرة بل إنما تكملون معتقداتكم ، وتبنون على ما هو مؤسس لديكم"إذ القرآن معدِّل ومكمِّل فِي الأصول والعقائد ، وجامع لجميع محاسن الكتب السابقة وأصول الشرائع السالفة. إلا أنه مؤسِّس فِي التفرعات التي تتحول بتأثير تغير الزمان والمكان ؛ فكما تتحول الأدوية والألبسة فِي الفصول الأربعة ، وطرز التربية والتعليم فِي طبقات عمر الشخص ؛ كذلك تقتضي الحكمة والمصلحة تبدل الأحكام الفرعية فِي مراتب عمر نوع البشر. فكم من حكم فرعي كان مصلحة فِي زمان ، ودواء فِي وقت طفولية النوع ، لايبقى مصلحة فِي آخر ، ودواء عند شبابية النوع. ولهذا السر نَسخَ القرآن بعض الفروع. أي بيّن انقضاء أوقات تلك الفروع ودخول وقت آخر.
وفي (من قبلك) لطائف:
اعلم! أنه ما من كلمة فِي التنزيل يأبى عنها مكانها ، أو لم يرض بها ، أو كان غيرُها أولى به. بل ما من كلمة من التنزيل إلا وهي كدرٍّ مرصَّعٍ مرصوص متماسك بروابط المناسبات ؛ فإن شئت مثالا تأمل فِي: (من قبلك) كيف ترى اللطائف المتطايرة من جوانب هذه الآية توضّعت على هذه الكلمة الفذة.
فإن (من قبلك) تشربتْ وتلونت - فتُرشِّح وتُرمز بخمس لطائف - المناسبات المنعكسة من المقاصد الخمسة المندمجة فِي مسألة النبوة المسوقة لها هذه الآية.
اما المقاصد المندمجة فهي: أن محمداً عليه السلام نبي ، وأنه أكمل الأنبياء ، وأنه خاتم الأنبياء ، وأنه مرسل لكافة الأقوام ، وأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع ، وجامعة لمحاسنها.