البحث الثاني: اعلم أن أصحابنا قد احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى قد يريد خلق الكفر في الكافر ويصده عن الدين ويغويه عن الحق من وجوه: الأول: أن إبليس استمهل وطلب البقاء إلى قيام القيامة مع أنه صرح بأنه إنما يطلب هذا الإمهال والإبقاء لإغواء بني آدم وإضلالهم وأنه تعالى أمهله وأجابه إلى هذا المطلوب ، ولو كان تعالى يراعي مصالح المكلفين في الدين لما أمهله هذا الزمان الطويل ، ولما مكنه من الإغواء والإضلال والوسوسة.
الثاني: أن أكابر الأنبياء والأولياء مجدون ومجتهدون في إرشاد الخلق إلى الدين الحق ، وأن إبليس ورهطه وشيعته مجدون ومجتهدون في الضلال والإغواء ، فلو كان مراد الله تعالى هو الإرشاد والهداية لكان من الواجب إبقاء المرشدين والمحققين وإهلاك المضلين والمغوين ، وحيث فعل بالضد منه ، علمنا أنه أراد بهم الخذلان والكفر.
الثالث: أنه تعالى لما أعلمه بأنه يموت على الكفر وأنه ملعون إلى يوم الدين كان ذلك إغراء له بالكفر والقبيح ، لأنه أيس عن المغفرة والفوز بالجنة يجترئ حينئذ على أنواع المعاصي والكفر.
الرابع: أنه لما سأل الله تعالى هذا العمر الطويل ، مع أنه تعالى علم منه أنه لا يستفيد من هذا العمر الطويل إلا زيادة الكفر والمعصية ، وبسبب تلك الزيادة يزداد استحقاقه لأنواع العذاب الشديد كان هذا الإمهال سبباً لمزيد عذابه ، وذلك يدل على أنه تعالى أراد به أن يزداد عذابه وعقابه.
الخامس: أنه صرح بأن الله أغواه فقال: {رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى} وذلك تصريح بأن الله تعالى أغواه لا يقال: هذا كلام إبليس وهو ليس بحجة ، وأيضاً فهو معارض بقول إبليس: {فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} فأضاف الإغواء إلى نفسه ، لأنا نقول.
أما الجواب عن الأول: فهو أنه لما ذكر هذا الكلام فإن الله تعالى ما أنكره عليه وذلك يدل على أنه كان صادقاً فيما قال.