سابعًا: أنه تعمَّد تَجاهُل سرِّ كرامة الإنسان الذي سبق تنويه الله تعالى به قبل الأمر بالسجود في قوله:"وَنَفَخْتُ فيه مِن رُّوحِي"، أهْمَلَه الخبيثُ وتناساه، وهو الجزء المهمُّ في خَلْقِ الإنسان وإكرامه، بل هو المقتضي للأمر بالسجود.
ثامنًا: أنَّ جوابه صريحٌ في أنَّه إنَّما حسَدَ الإنسان، واستكبر عن السُّجود؛ لأنَّه يَمْقت في الإنسان هذه الرُّوح الكريمة التي نفخها فيه ربُّه سبحانه، ويتَّضح ذلك بما سيأتي من قوله:"لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ" [الحجر: 39 - 40] ؛ أي: الذين عرفوا سرَّ كرامتهم، وقدَّروا نعمة ربِّهم فيها، فحافظوا عليها، وغذوها بالتفكُّر في آيات الله، وكثَّروها بالفهم والعقل عن الله في سننه وآياته الكونيَّة والعلميَّة، والشُّكر لنِعَمه وآلائه، فحَرصوا أن يكونوا عبادًا لربِّهم الرَّحمن خالصين، فهو بذلك العهد - الذي يَقْطعه على نفسه - ولِيٌّ لكلِّ مُجْرم وفاسق عن أمر ربِّه، مُفْسِد لنِعَم ربِّه، ومكذِّب بآياته الكونيَّة والعلميَّة، مساعدٌ لكلِّ من اتَّخذ إلَهَه هواه، ماشٍ في رِكَاب كلِّ ظالم وباغٍ، وكلِّ مَهِين كافر بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، قائدٌ لكلِّ مَن أضلَّه الله على عِلْم، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة.
تاسعًا: أنه تعمَّد تَجاهُلَ أنَّ الملائكة خُلِقَت من نور، والنُّور - على مقتضى قياسه ورأيه - خَيْرٌ من النار بلا شكٍّ، وقد سجدوا طائعين، واستكبر هو وأبَى، عاصيًا فاسقًا عن أمر ربِّه.
عاشرًا: أنَّ جوابه ينشر ريح البغي الخبيث، وينضح بالحسد القذر؛ لأنَّه يزعم لنفسه الخيريَّة والفضل بِمادَّته، وهو يعرف نفسه أنَّه ليس أهلاً لذلك، ولا لأصله فَضْل على أصل الإنسان.
حادِيَ عشر: أنه إنَّما قصد وتعمَّد إلى أن يَسُنَّ بِجوابه الوَقِح السُّنةَ السيِّئة الخبيثة لِحزبه من المُجرمين: أن يعموا عن فضل ربِّهم ورَحْمته الواسعة، وعن آياته وسُنَنِه الحكيمة حتى يقدِّموا أهواءهم، واستحسن إجابتهم الجاهلة الحمقاء على شرائع وأوامر ربِّ العالمين، فكانوا من الْهالكين.